عادل الحمداني
لا يُقاس نجاح أي مؤسسة إعلامية بعمرها الزمني، وإنما بقدرتها على التكيف مع المتغيرات التي يشهدها القطاع الإعلامي. وينطبق ذلك على إذاعة الشباب التي احتفت في الثالث والعشرين من شهر يوليو بمرور 23 عامًا على انطلاق بثها، بعدما تحولت من أول إذاعة متخصصة ضمن إذاعات (FM) محدودة البث إلى منصة إعلامية متكاملة تجمع بين البث الإذاعي التقليدي والحضور الرقمي والتفاعلي.
ما يميز هذه الإذاعة أنها حافظت، منذ انطلاقتها وحتى اليوم، على رسالتها الأساسية المتمثلة في مخاطبة الشباب وتمكينهم وإشراكهم في الحوار المجتمعي، مستندة إلى وضوح الرؤية، وتخصص المحتوى، والقدرة على مواكبة تطلعات الشباب، إلى جانب التطوير المستمر في أساليب الإنتاج والتقديم.
ويؤكد يوسف بن حميد اليوسفي، مدير عام إذاعة سلطنة عُمان، في حديثه لوكالة الأنباء العُمانية، إن إذاعة الشباب نجحت في ترسيخ مكانتها بوصفها المنبر الإعلامي الأقرب إلى الشباب العُماني، من خلال تقديم محتوى يعكس اهتماماتهم وتطلعاتهم، ويبرز قدراتهم وإبداعاتهم في مختلف المجالات.

من جانبه، يؤكد أحمد بن عبدالله الغساني، أول مدير لإذاعة الشباب، أن نجاح الإذاعة جاء نتيجة وضوح الرؤية منذ البداية، والتركيز على استقطاب الكفاءات الإعلامية الشابة، وتقديم برامج جريئة في طرحها وراقية في محتواها، حتى أصبحت نافذة حقيقية لصوت الشباب وشريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية.

ويرى خالد بن صالح الزدجالي، مدير إذاعة الشباب الأسبق، أن تميز الإذاعة يعود إلى أنها لم تكن تسعى وراء النجاح بقدر ما كانت تصنعه عبر برامج انطلقت من احتياجات المجتمع، ولغة إعلامية عصرية، وفريق عمل آمن بأن التجديد هو طريق الاستمرار.

بدورها، تؤكد عفراء بنت أحمد اليحيائية، مديرة إذاعة الشباب، أن حرص الإذاعة على أن تكون منصة إعلامية مخصصة للشباب انعكس في برامجها وموادها التي تعبر عن طموحاتهم وتطلعاتهم، وتواكب اهتماماتهم الثقافية والاجتماعية والترفيهية، لتقدم بذلك نموذجًا يمكن الاستفادة منه في تطوير الإعلام الموجه وإنتاج المحتوى الصوتي والرقمي.
رسالة واضحة منذ البدايات
منذ انطلاقتها، قامت رؤية إذاعة الشباب على الاقتراب من فئة الشباب والتعبير عن تطلعاتهم، ومناقشة قضاياهم، وإبراز إبداعاتهم، مع فتح المجال أمامهم للمشاركة في برامجها، بما يعزز حضورهم في المشهد الوطني.
وجاء اختيار اسم “إذاعة الشباب” معبرًا عن هذه الفلسفة، إذ أكدت وزارة الإعلام أن الإذاعة استهدفت مخاطبة الشباب بلغة قريبة من اهتماماتهم، في انتقال واضح من الخطاب الإعلامي العام إلى الإعلام الموجه.
وفي هذا السياق يقول أحمد الغساني، أن فكرة إنشاء الإذاعة جاءت استجابة لمتطلبات مرحلة التنمية في سلطنة عُمان، ومواكبةً للمتغيرات المحلية والخارجية، انطلاقًا من الإيمان بالدور المحوري للشباب، وأن الإعلام يمثل جزءًا أساسيًا من هذا الحراك. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء إذاعة تحمل اسم هذه الفئة، لتكون قريبة من الشباب، وتعبر عن تطلعاتهم، وتسهم في ترسيخ قيم المواطنة والمشاركة في التنمية.
وتشير عفراء اليحيائية إلى أن الإذاعة رسخت مفهوم الشراكة مع جمهورها عبر برامجها المباشرة، من خلال إتاحة الفرصة للشباب للمشاركة في صناعة المحتوى وطرح قضاياهم، مستفيدة من مختلف وسائل التواصل الحديثة، بما في ذلك إطلاق حساب خاص عبر تطبيق “واتساب” إلى جانب منصاتها الرقمية الأخرى.
فيما يؤكد خميس بن محمد البلوشي، مدير إذاعة الشباب الأسبق، أن عام 2009 شكّل محطة مفصلية في مسيرته مع الإذاعة عندما تولى إدارتها، واصفًا المرحلة بأنها تجربة إدارية وإعلامية ثرية، شهدت العمل مع نخبة من الزملاء الذين أسهموا، بروح الفريق الواحد، في تحقيق العديد من النجاحات، وتركوا بصمات واضحة في مسيرة إذاعة الشباب.

برامج وكفاءات إعلامية
يرى خالد الزدجالي أن برنامج “هذا الصباح” تجاوز مفهوم البرنامج الصباحي التقليدي، ليصبح من أكثر البرامج ارتباطًا بالمستمع، محققًا حضورًا محليًا وخليجيًا بفضل أفكاره المتجددة ورسائله الهادفة. ويتفق خميس البلوشي مع هذا الرأي، مؤكدًا أن البرنامج شكّل علامة فارقة في تاريخ الإذاعة لما حققه من تأثيره جماهيري ومهني.
ويعود نجاح إذاعة الشباب إلى تزامن تأسيسها مع انتشار الإنترنت والهواتف المحمولة، ما منحها مرونة أكبر في مواكبة التحولات الإعلامية مقارنة بالإذاعات التقليدية. كما تؤكد عفراء اليحيائي أن الإذاعة حافظت على مكانتها بفضل قربها من الشباب، وفهم تطلعاتهم، وتقديم محتوى يجمع بين المصداقية والتجديد والهوية الوطنية.
وقد أسهمت إذاعة الشباب في إعداد جيل من المذيعين والمعدين والمراسلين الذين تركوا بصمة في الإعلام العُماني.
يؤكد يوسف اليوسفي أن الكوادر الوطنية الشابة كانت أحد أهم أسباب نجاح الإذاعة وترسيخ مكانتها، فيما ترى عفراء اليحيائي أن الإذاعة ستواصل دورها في إلهام الشباب وإبراز قصص نجاحهم، مع الحفاظ على التوازن بين الأصالة ومواكبة التطورات.
ويضيف خالد الزدجالي، أن الإذاعة كانت، وما تزال، حاضنة للمواهب الشابة التي تمتلك الشغف والطموح لصناعة مستقبل واعد للإعلام العُماني، مضيفًا أن الاستثمار في الإنسان والثقة بالشباب كانا أساس النجاح واستمرار أثر التجربة.
مراحل التطور وصولًا إلى التحول الرقمي
انتقلت إذاعة الشباب من محطة متخصصة محدود البث إلى منصة إعلامية متعددة الوسائط. ومرت التجربة بأربع مراحل رئيسية: بدأت ببناء هويتها المؤسسية والتعريف برسالتها، ثم زيادة البث إلى 18 ساعة استجابة لتزايد الإقبال، قبل أن تتوسع في الإنتاج البرامجي وتصل إلى البث على مدار 24 ساعة يوميًا، وهو ما عكس نضج التجربة وجاهزية كوادرها.
يؤكد أحمد الغساني أنه رغم محدودية كوادرها في البدايات، إلا أنها حققت حضورًا لافتًا بفضل الدعم المؤسسي، فأصبحت صوتًا للشباب لآرائهم، وحاضنة للمواهب الإعلامية الشابة.
بدوره، يشير خالد الزدجالي إلى أن فترة إدارته شهدت إطلاق أفكار برامجية جديدة وإتاحة الفرصة لأصوات إعلامية شابة أثبتت حضورها، بينما يستذكر خميس البلوشي التحضيرات المكثفة لكل دورة برامجية، والاهتمام بالهوية السمعية والفواصل الترويجية بوصفها جزءًا من شخصية الإذاعة.
ومع اتساع المنافسة من المنصات الرقمية، عززت إذاعة الشباب حضورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تقول عفراء اليحيائية أن الإذاعة قدمت محتوى تفاعليًا يتناول ريادة الأعمال، والتقنيات الحديثة، والثقافة والفنون، والسياحة، والرياضة، والصحة، والترفيه الهادف، إلى جانب استضافة المبدعين وإبراز تجاربهم، مع ترسيخ القيم العُمانية الأصيلة والهوية الوطنية في مختلف محتوياتها.
ويؤكد يوسف اليوسفي أن الإذاعة ستواصل تطوير رسالتها الإعلامية والاستفادة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية للوصول إلى مختلف شرائح الشباب.
شهادات وتجارب
يستحضر خميس البلوشي عند استماعه إلى إذاعة الشباب ذكريات العمل والاستديوهات والتحضيرات اليومية، وما صاحبها من جهد وتحديات. أما خالد الزدجالي، فيعبر عن فخره باستمرار الإذاعة في تقديم محتوى متجدد والمحافظة على هويتها، مشيدًا بجهود إداراتها المتعاقبة في تطويرها.
من جانبها، تؤكد عفراء اليحيائية استمرار الإذاعة في استقطاب الطاقات الإعلامية الشابة، وإتاحة الفرصة لها لتقديم مبادراتها وتحويل أفكارها إلى برامج إذاعية، بما يسهم في إعداد جيل من صناع المحتوى القادرين على التعبير عن الهوية الوطنية ومواكبة تطلعات المجتمع العُماني.
التحديات والآفاق المستقبلية
تواجه إذاعة الشباب تحديات تتمثل في منافسة المنصات الرقمية، وتغير اهتمامات الأجيال الجديدة، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنتاج محتوى رقمي يتناسب مع أنماط استخدام الشباب، إلى جانب تطوير أساليب التفاعل مع الجمهور. وسيحدد التعامل مع هذه التحديات مستقبل المؤسسات الإعلامية خلال السنوات المقبلة. كما أن إجراء دراسات أكاديمية متخصصة حول تجربة الإذاعة وتحليل أثرها في بناء الهوية الوطنية وتثقيف الشباب من شأنه أن يسهم في تطوير العمل الإعلامي في سلطنة عُمان.
خلال أكثر من عقدين، نجحت إذاعة الشباب في ترسيخ مكانتها في ذاكرة المستمع العُماني، مستندة إلى خبرتها المؤسسية، وهويتها الواضحة، وقاعدتها الجماهيرية الواسعة، والدعم الذي تحضى به من وزارة الإعلام، وهو ما يؤهلها لمواصلة نجاحها في المستقبل.
