عبدالفتاح الصناعي – كاتب يمني
لم يكن تصدر سلطنة عُمان للدول العربية في مؤشر جودة الحياة لعام 2026، وحلولها في المرتبة الرابعة عالمياً وفق مؤشر «نومبيو»، حدثاً عابراً أو مجرد إنجاز رقمي، بل كان انعكاساً لمسار وطني متكامل، جعل الإنسان محور التنمية، ورسخ الاستقرار، وصان البيئة، وبنى مؤسسات حديثة تعمل وفق رؤية واضحة للمستقبل. فالمؤشرات الدولية لا تصنع نجاح الدول، وإنما تكشف عن نجاح سياساتها.
ولعل القاسم المشترك الذي يفسر هذا النجاح هو الثقة؛ ثقة المواطن في مؤسسات دولته، وثقة المستثمر في بيئة مستقرة، وثقة المجتمع الدولي في نهج دبلوماسي يتسم بالحكمة والاتزان. ومن هنا تبدو العلاقة بين جودة الحياة في الداخل ودبلوماسية السلام في الخارج علاقة تكامل، تشكلت عبر التاريخ، وترسخت بالمؤسسات، وتعززت برؤية عُمان 2040.
فكيف صنعت عُمان هذه الثقة؟
تبدأ الإجابة من الجغرافيا. فمنذ قرون، منح الموقع الاستراتيجي للسلطنة على بحر العرب وبحر عُمان والمحيط الهندي عُمان دوراً محورياً في حركة التجارة العالمية والتواصل بين الحضارات. ولم يكن البحر مجرد منفذ اقتصادي، بل كان فضاءً حضارياً أسهم في ترسيخ ثقافة الانفتاح، واحترام الآخر، والتبادل الثقافي، والتعايش مع مختلف الشعوب، وهي قيم أصبحت جزءاً أصيلاً من الشخصية العُمانية.
ثم جاء التاريخ ليعزز هذه المكانة، حيث عُرفت عُمان بأنها دولة تبني علاقاتها على الاحترام المتبادل والتعاون، وتحافظ على هويتها وهي تنفتح على العالم. ومن هذا الإرث الحضاري تشكلت منظومة من الاعتدال والتسامح واحترام التنوع، وهي القيم التي انعكست في المجتمع والدولة معاً، وأسهمت في بناء الثقة بين الإنسان ومؤسسات الدولة.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تنعم السلطنة بدرجة عالية من الأمن والاستقرار والتماسك المجتمعي، وهي ركائز أساسية لجودة الحياة، انعكست كذلك في المؤشرات الدولية التي وضعت عُمان في مقدمة الدول العربية في مستويات الأمان، بما يعكس نجاح سيادة القانون، والاستقرار، والثقة المجتمعية التي تمثل الأساس الحقيقي لأي تنمية مستدامة.
وفي العصر الحديث، تحولت هذه القيم إلى مشروع وطني متكامل. ففي ظل النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – تمضي سلطنة عُمان بثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي جعلت الإنسان محور التنمية، ورسخت مبادئ التنويع الاقتصادي، والابتكار، والحوكمة، والاستدامة، باعتبارها ركائز لبناء المستقبل.
ولم تعد هذه المبادئ مجرد توجهات نظرية، بل أصبحت نهجاً مؤسسياً تتجسد ملامحه في السياسات العامة ومشروعات التنمية، وتعمل من خلاله مؤسسات الدولة على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية، والاستدامة البيئية، والعدالة الاجتماعية، وجودة الحياة. وهذا ما منح التجربة العُمانية تماسكها واستمراريتها، ورسخ الثقة في قدرتها على تحويل الرؤى إلى إنجازات.
وتجلت هذه الرؤية في الاستثمار المستمر في التعليم، والرعاية الصحية، والبنية الأساسية، والخدمات العامة، إلى جانب بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة. كما انعكس ذلك في ارتفاع مستويات القدرة الشرائية، وتحسن الخدمات، وتوفير بيئة معيشية مستقرة، بما يؤكد أن التنمية في السلطنة ليست مجرد نمو اقتصادي، بل مشروع يستهدف الارتقاء بحياة الإنسان وتعزيز رفاهيته.
كما أسهمت البنية الأساسية الحديثة والتخطيط العمراني المتوازن في تعزيز جودة الحياة، من خلال شبكة طرق متطورة، وموانئ ومطارات حديثة، ومناطق اقتصادية واعدة، إلى جانب تخطيط عمراني يحافظ على هوية المكان ويوازن بين متطلبات التنمية وحماية البيئة. وهكذا قدمت عُمان نموذجاً يثبت أن الحداثة لا تعني التخلي عن الأصالة، بل البناء عليها.
ولأن جودة الحياة لا تكتمل دون بيئة سليمة، فقد أولت السلطنة اهتماماً كبيراً بحماية الطبيعة وصون مواردها. ويبرز في هذا السياق اهتمام حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بقضايا المناخ والاستدامة، ودعم المبادرات الوطنية في مجالات الطاقة المتجددة، والاقتصاد الأخضر، والمحافظة على التنوع الحيوي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، ويعزز قدرة السلطنة على تحقيق تنمية مستدامة للأجيال الحاضرة والقادمة.
ومن هذا الداخل المستقر، انطلقت السياسة الخارجية العُمانية. فالدبلوماسية لا تُبنى في قاعات التفاوض وحدها، وإنما تبدأ من الداخل. والدولة التي تنجح في بناء الثقة بين مؤسساتها ومجتمعها، وتوفر الأمن، وتحمي البيئة، وتستثمر في الإنسان، تكتسب بطبيعة الحال ثقة المجتمع الدولي، وهو ما يمنح سياستها الخارجية مصداقية وقدرة على التقريب بين وجهات النظر.
ولهذا ارتبط اسم سلطنة عُمان، على مدى عقود، بالحكمة والاعتدال، والالتزام بالحوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والبحث عن الحلول السلمية للنزاعات. ولم تأتِ هذه المكانة من فراغ، بل كانت ثمرة تراكم طويل من المصداقية والثبات في المواقف، وهو ما جعل السلطنة شريكاً موثوقاً في جهود التهدئة ودعم الاستقرار الإقليمي.
إن العلاقة بين جودة الحياة وجودة الدبلوماسية ليست علاقة مصادفة، بل هي علاقة تأثير متبادل، تتوسطها الثقة. فكلما ازدادت ثقة الإنسان في دولته، ازدادت قدرة الدولة على الإنجاز، وكلما تعززت مصداقيتها في الداخل، ازداد احترامها في الخارج. وهكذا أصبحت الثقة أحد أهم عناصر القوة الوطنية العُمانية، وجسراً يربط بين التنمية والسلام.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة وتحديات متزايدة، تقدم سلطنة عُمان نموذجاً يؤكد أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل بقدرة الدولة على بناء الإنسان، وترسيخ الثقة، وحماية البيئة، وتعزيز جودة الحياة، وجعل هذه المنجزات أساساً لدبلوماسية حكيمة تسهم في صناعة السلام وبناء التفاهم.
لقد أثبتت التجربة العُمانية أن الثقة ليست نتيجة للتنمية فحسب، بل هي أيضاً صانعتها. فمن الثقة تولد جودة الحياة، ومن الثقة تكتسب الدبلوماسية مصداقيتها، ومن الثقة تبني الدول مكانتها بين الأمم. وهكذا تواصل سلطنة عُمان ترسيخ نموذج وطني متوازن، يؤكد أن الاستثمار في الإنسان، وقوة المؤسسات، واستدامة التنمية، والالتزام بالحوار، ليست مسارات متفرقة، بل مشروع حضاري واحد يصنع المستقبل ويمنح الدولة احترامها ومكانتها في عالم سريع التغير.
