سالم السيفي
من منطلق نظرتنا لواقعنا وما نعايشه في وقتنا الراهن،ينبغي علينا أن ندرك أنه لم يعد الإنسان المعاصر ابن جغرافية المكان أو نتاج حاضنته الثقافية الأولى، بل أضحى كائنا شبكيا يمارس وهم الحرية وهو يستدمج سلوكيات وقناعات تنسج في خفاء الخوارزميات؛ حيث لم تعد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مجرد أدوات لتسهيل العيش، بل معمارا خفيا يعيد صياغة الوعي الإنساني، ويسائل ثبات العقيدة، ويضع العقل البشري أمام خيار حاسم: إما امتلاك مناعة نقدية تتجاوز سطوة التدفق، أو الذوبان في تراجيديا التفكير الجمعي.
ولا يمكن أن ننسى، أو حتى نتناسى، أن الحقبات التاريخية السابقة شهدت تشكلا طبيعيا للتفكير الجمعي ضمن بيئات جغرافية واجتماعية ضيقة، محاطة بأطر تربوية وأخلاقية مستقرة؛ حيث كانت الأسرة والمؤسسة الدينية والمجتمع المحلي يشكلون الحاضنة الأولى لتصنيع الوعي. وكانت الأفكار تنشأ وتتطور عبر مسارات تراكمية بطيئة تتيح للعقل الإنساني التريث في امتصاصها ونقدها وملاءمتها مع الهوية السائدة. غير أن المشهد المعاصر أزاح هذه الحواجز المكانية والزمانية لصالح إنسان شبكي يتلقى تدفقا كاسحا من العادات والسلوكيات والرؤى الفكرية التي تتلاقح وتتناسل عبر الحدود في جزء من الثانية، مما أدخل البشرية في حالة من السيولة الثقافية والانكشاف النفسي والفكري أمام مظلة عالمية لا تعترف بالخصوصيات المحلية.
ويتجلى البعد الأنثروبولوجي لهذا التحول عند التأمل في التدرج التاريخي لوسائل التلقي؛ فقد عاشت الأجيال السابقة زمن الإذاعات ذات البث المحدود، ثم الشاشات التلفزيونية ذات الصورة الموشوشة والبث المتقطع الذي يتطلب اجتماع العائلة لمشاهدة فيلم أو متابعة نشرة أخبار، وصولا إلى الصحافة الورقية التي كان فعل قراءتها يتطلب طقسا من الهدوء والتركيز. كان ذلك الإيقاع البطيء يمثل مدرسة غير مباشرة لتدريب العقل على الصبر، والتحليل، واستيعاب المعلومة على مهل.
وكأنما كان لسان حال التطور يتنبأ بأن شيئا قادما سيغير الملامح ويستقر بعيدا عن حدود تصور العقل البشري. وفي ظل ما نعيشه اليوم من طفرة تنافسية تخللت كافة تفاصيل الحياة، من الهواتف الذكية إلى المركبات الذكية وكل ما تحيط به الأجهزة المستقلة، وضعت الإنسانية أمام اختبار وجودي حاد؛ إذ أصبحت الآلات تعج بالذكاء والقدرة الفائقة على المعالجة، بينما يظل السؤال الفلسفي الأهم والمتعلق بمدى الطاقة الاستيعابية للعقل البشري أمام هذه الجيوش المستمرة من المشتتات والبيانات الحية، وهل يملك هذا العقل البيولوجي القدرة النفسية والإدراكية على الهضم والتمحيص دون أن يتلاشى تحت وطأة هذا التدفق الهائل؟
وقد ساد لفترات طويلة الانطباع بأن التكنولوجيا حولت العالم إلى قرية يسهل التواصل بين جنباتها، إلا أن الواقع يتجاوز هذا التبسيط إلى فضاء مفتوح يدار عبر هندسة سلوكية عالية الدقة.في هذا الفضاء، تبدو القوانين والتشريعات المحلية عاجزة عن ضبط التدفق المعلوماتي المعقد؛ نظرا لأن النص القانوني يتسم بآليات صياغة وتطبيق تتسق مع الإيقاع التناظري البطء، بينما تتحرك الشبكة وإفرازاتها بآليات رقمية فائقة السرعة. ونتيجة لهذا الفارق الزمني، انتقلت سلطة التوجيه القيمي والفلسفي من المؤسسات التقليدية كالبيت والمدرسة إلى خوارزميات المنصات، وهي خوارزميات لا تعنيها مفاهيم الصواب والخطأ بقدر ما يعنيها إبقاء المستخدم رهن التفاعل. وقد أدى هذا الانزياح إلى تسريع تناسل السلوكيات الهجينة؛ حيث تبدأ فكرة أو نمط سلوكي في بقعة جغرافية معينة ليتلقفها ملايين الأفراد عالميا خلال ساعات معدودة، دون أدنى وعي بالمرجعيات الثقافية أو التاريخية التي أنتجتها.
وتتجلى التراجيديا الحقيقية لهذه الظاهرة في وهم الفردانية الذي يعيشه المستخدم؛ إذ يتوهم وهو يقلب صفحة هاتفه أنه يمارس حريته المطلقة في الاختيار والتعبير، في حين إنه يخضع لاستقطاب موجه يحد من استقلاليته. كما تسهم المنصات في احتجاز العقول داخل دوائر مغلقة تغذي الانحيازات المسبقة وتمنع الرؤية النقدية المتوازنة للواقع، مما يفرز عقولا متطرفة في قناعاتها وغير قادرة على قبول الاختلاف والتنوع البشري. بالتوازي مع ذلك، يتراجع دور النخب الفكرية والأكاديمية والعلماء لصالح فاعلين جدد يقاس ثقلهم بحجم التأثير الميداني والانتشار الجماعي لا بعمق الطرح أو سلامة الاستدلال، الأمر الذي يتسبب في تسطيح القضايا المصيرية الكبرى وتحويلها إلى مواد استهلاكية سريعة الزوال.
وفي غمار هذه التحولات، تعرضت النواميس الفطرية والبنى الاجتماعية الجوهرية لزلازل مفاهيمية متلاحقة، تصدرتها تحركات الجمعيات النسوية والمناشدات الموجهة الداعية إلى التحرر والانعتاق المطلق من الوصاية الأسرية والمجتمعية. لقد أعيد تأطير كيان المرأة الذي كان يتمتع بالمهابة والمكانة المركزية في حفظ النسيج التربوي والأخلاقي، ليستبدل ذلك الخطاب بخطابات تبدو في ظاهرها انتصارا للحقوق، لكنها تصب في عمقها ضمن تسليع ناعم للأنوثة.
وأدت هذه التحولات المتسارعة إلى تجريد المرأة من مضمونها الفكري والروحي الثري، واختزال كينونتها في مادة إعلامية ودعائية تحاصر داخل قوالب شكلية بصرية، حيث باتت القيمة تستمد من مدى الاستجابة لشروط الاستهلاك والشهرة الرقمية بدلا من الأثر الإنساني والمعرفي. هذا التفكيك المفاهيمي لم يضعف هيبة المرأة الفطرية فحسب، بل فرغ مفهوم التحرر ذاته من نبل مقاصده، ليتحول من مسعى للكرامة والاستقلالية إلى نمط جديد من الخضوع لإملاءات الصورة والسوق تحت شعارات التحديث والانعتاق.
وعند امتداد هذا التحول إلى عمق البناء الإنساني، يظهر أثره البالغ على المنظومات الإيمانية والمعتقدات الراسخة. يتجه الفضاء المفتوح نحو ترسيخ نسبية مطلقة تجعل القواعد الأخلاقية والحقائق المطلقة مجرد وجهات نظر شخصية خاضعة للتعديل والملاءمة الفردية، مما يضع العقائد القائمة على الثبات والشمول أمام تحديات جارفة.
وتشير التحولات الراهنة إلى جنوح الأجيال الناشئة نحو صياغة منطلقات إيمانية انتقائية مجزأة تجمع عناصر متفرقة من فلسفات وثقافات متعددة لتلبية احتياجات نفسية مؤقتة، بدلا من الالتزام الكامل بمنظومة عقائدية متكاملة. هذا التذبذب المستمر وغياب المرجعية الجامعة يدفع الفرد إلى حالة من الاغتراب الروحي والتشتت الوجودي، وهي حالة تنتهي غالبا بمسارين متقابلين: إما الاستغراق الكامل في المادية والعدمية نتيجة فقدان المعنى، أو الارتداد الانفعالي نحو الأصولية والانغلاق الحاد كحالة دفاعية للبحث عن الطمأنينة والمطلق.
وختاما،
تؤكد هذه التحولات المتسارعة أن المواجهة مع استحقاقات العصر الرقمي لا تكمن في محاولات الحجب أو إغلاق المنافذ التي أصبحت جزءا عضويًا من النسيج اليومي للحضارة المعاصرة. بيد أن الخروج من تراجيديا التفكير الجمعي يتطلب تركيز الجهود على بناء المناعة الفكرية والوعي النقدي لدى الإنسان، وتمكينه من أدوات الفحص والمحاكمة العقلية لتفكيك الرسائل السلوكية والقيمية المستمرة.
كما تحتاج المجتمعات إلى صياغة خطابات تربوية ومعرفية جديدة تخاطب العقل وتتعامل مع تعقيدات الفضاء الرقمي بمرونة وعمق، لترسيخ الهوية والجذور دون الوقوع في حبائل الانغلاق، حتى يظل العقل البشري والضمير الإنساني قادرين على التمييز والاحتفاظ باستقلاليتهما وسط هذا المحيط المتلاطم.
