محمد بن زاهر العبري
في كل صيف، تُفتح أمام أبنائنا أبواب واسعة لاستثمار الوقت في التعلم، وتنمية المهارات، وحفظ القرآن الكريم، واكتساب القيم التي تبني الإنسان. لكن المؤسف أن جزءًا من هذه الإجازة أصبح يُستنزف أمام شاشات الهواتف، وتحديدًا في البثوث المباشرة عبر تطبيق “تيك توك”، حيث يدخل الأطفال والمراهقون إلى مساحات رقمية لا تخضع في كثير من الأحيان لرقابة أسرية أو ضوابط تربوية كافية.
ولعل أكثر ما يدعو للقلق هو ظهور بعض البثوث التي تتضمن تحديات غير لائقة، أو أحكامًا واستعراضات بين المستخدمين، أو نقاشات وسلوكيات لا تتناسب مع أعمار الأطفال، فيجد الصغير نفسه حاضرًا في مجالس افتراضية يختلط فيها بالكبار، ويستمع إلى ألفاظ أو يشاهد تصرفات قد تؤثر في سلوكه وقيمه ونظرته للحياة.
ولا يعني ذلك أن جميع مستخدمي المنصة أو جميع محتوياتها سيئة، فهناك من يقدم محتوى نافعًا وتعليميًا، لكن المشكلة تكمن في غياب الرقابة على بعض البثوث، وسهولة وصول الأطفال إليها، مما يجعلها بيئة قد تحمل مخاطر تربوية وأخلاقية ونفسية.
لقد حمّل الإسلام الوالدين مسؤولية عظيمة في رعاية الأبناء، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
[سورة التحريم: 6]
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾
[سورة الإسراء: 36]
كما قال النبي ﷺ:
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.” (متفق عليه).
وقال ﷺ:
“ما نحل والدٌ ولدَه أفضلَ من أدبٍ حسن.” (رواه الترمذي).
إن الإجازة الصيفية ليست مجرد فترة للترفيه، بل هي فرصة ذهبية لغرس الإيمان والعلم والأخلاق. فما أجمل أن تُملأ أوقات الأبناء بحلقات القرآن الكريم، وتعليم التجويد، وحفظ كتاب الله، ودراسة أصول الفقه، والسيرة النبوية، والأنشطة الرياضية والثقافية، والبرامج التطوعية التي تصنع شخصية متوازنة وواعية.
إن الطفل الذي يتربى على القرآن، ويعيش في بيئة علمية وتربوية، سيكون أقدر على التمييز بين النافع والضار، وأكثر حصانة أمام المحتويات التي قد تؤثر في أخلاقه وسلوكه. أما تركه لساعات طويلة يتنقل بين البثوث المباشرة دون متابعة أو توجيه، فقد يجعله يعتاد أنماطًا من السلوك أو اللغة أو القيم التي لا تنسجم مع هويتنا الإسلامية والعمانية.
والمجتمع العماني عُرف عبر تاريخه بتمسكه بالدين، واحترامه للعادات الأصيلة، وحرصه على تربية الأجيال على الأخلاق والعلم. ومن هنا فإن المسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، والإعلام، وصناع المحتوى أنفسهم، في توجيه الأبناء نحو الاستخدام الواعي للتقنية، واستثمارها فيما ينفع.
إن التقنية نعمة إذا أُحسن استخدامها، لكنها قد تتحول إلى نقمة إذا تُرك الأبناء يواجهونها وحدهم. فليكن هذا الصيف موسمًا لحفظ القرآن، وبناء الشخصية، وتعزيز الهوية، لا موسمًا لضياع الساعات خلف بثوث عابرة قد تترك آثارًا باقية في النفوس.
فالأطفال هم أمانة، وحماية عقولهم وأخلاقهم مسؤولية لا تقبل التأجيل، لأن بناء الإنسان يبدأ من الكلمة التي يسمعها، والمشهد الذي يراه، والقدوة التي يتبعها..
