أحمد الفقيه العجيلي
لا تبقى الحروب دائمًا أسيرة الأسباب التي تبدأ من أجلها.
فما يبدو في أيامها الأولى هدفًا رئيسًا، قد يتراجع مع تطور الأحداث، لتفرض الوقائع على الأرض أولويات جديدة لم تكن حاضرة عند اندلاعها.
وهذا ما يبدو جليًا في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
في البداية، انصب الاهتمام على البرنامج النووي الإيراني. فالضربات العسكرية استهدفت منشآت نووية، وانشغلت التحليلات بتقدير حجم الأضرار، ومدى تأثيرها في مستقبل البرنامج، باعتباره الهدف المعلن للعملية العسكرية.
لكن مع اتساع دائرة المواجهة، بدأ عنوان آخر يفرض نفسه تدريجيًا: مضيق هرمز. ولم يكن ذلك لأن البرنامج النووي فقد أهميته، بل لأن الحرب نفسها تجاوزت أهدافها الأولى، وأصبحت تمس ملفات أكثر اتساعًا، تتعلق بأمن الملاحة، والطاقة، والتجارة العالمية.
وهنا يكمن التحول الأبرز في هذه الأزمة.
فما بدأ بوصفه مواجهة حول برنامج نووي، تحول إلى صراع تتداخل فيه القوة العسكرية مع الجغرافيا والاقتصاد.
ولم تعد آثار الحرب تقتصر على أطرافها المباشرين، بل امتدت إلى كل دولة ترتبط مصالحها باستقرار هذا الممر البحري الحيوي.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة عبره لا ينعكس على دول المنطقة وحدها، بل تمتد آثاره إلى أسواق النفط، وسلاسل الإمداد، وكلفة النقل والتأمين، وهو ما يفسر القلق الدولي كلما ارتفع منسوب التوتر في هذه المنطقة.
ومن هنا، أصبح المضيق أكثر من مجرد موقع جغرافي.
لقد تحول إلى ورقة ذات أبعاد استراتيجية، ليس بسبب احتمال إغلاقه فحسب، وإنما لأن مجرد التلويح بتعطيل الملاحة فيه يكفي لإثارة مخاوف اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الإقليم. وفي المقابل، فإن استخدام هذه الورقة لا يخلو من كلفة على جميع الأطراف، بما فيها الطرف الذي يلوّح بها، وهو ما يجعلها أداة شديدة الحساسية في حسابات الصراع.
تبرز سلطنة عُمان بوصفها جزءًا طبيعيًا من المشهد، لا لأنها طرف في الصراع، بل لأن الجغرافيا وضعت على عاتقها مسؤولية الإشراف على الضفة الجنوبية لمضيق هرمز، فيما منحتها سياستها الخارجية رصيدًا من الثقة جعلها حاضرة في محطات عديدة سعت إلى تقريب وجهات النظر واحتواء الأزمات.
ولهذا، فإن أي تطور يمس عُمان، أو يستهدف سيادتها، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المشهد الأوسع، لأن استقرارها يرتبط باستقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وقد عكس موقف السلطنة من التطورات الأخيرة هذا النهج؛ تمسكٌ بسيادتها، مع استمرارها في التأكيد أن الحوار وخفض التصعيد يظلان الطريق الأقل كلفة على الجميع.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز حدود مضيق هرمز نفسه. فهي تذكرنا بأن الحروب لا تسير دائمًا وفق ما خُطط لها، ولا تبقى حبيسة أهدافها الأولى. فكلما امتد أمدها، ظهرت ملفات جديدة، ودخلت أطراف ومصالح لم تكن في صدارة المشهد عند بدايتها.
ولعل هذا ما يفسر كيف انتقل الاهتمام، خلال فترة وجيزة، من متابعة نتائج الضربات على المنشآت النووية إلى متابعة ما يجري في الممرات البحرية، وتأثير ذلك في أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية. وهو تحول لا يعني أن البرنامج النووي فقد أهميته، وإنما يعني أن الحرب نفسها أصبحت أوسع من عنوانها الأول.
ولعل أكثر ما تكشفه هذه الحرب أن الجغرافيا لا تكتفي برسم حدود الدول، بل ترسم أحيانًا حدود السياسة نفسها. فما بدأ تحت عنوان البرنامج النووي الإيراني، أصبح اليوم يُقرأ أيضًا من خلال أمن الممرات البحرية، وتوازنات المنطقة، وحسابات الاقتصاد العالمي.
وهكذا، لا تغيّر الحروب خرائط النفوذ فحسب، بل تغيّر أيضًا العناوين التي تُقرأ من خلالها.
