د. سالم بن سعيد الوهيبي
كثيرون يظنون أن التفكير الإيجابي هو مجرد “تهويدة” نفسية، أو تجاهل للواقع المرير. وهذا هو أكبر سوء فهم يمكن أن يقع فيه الفرد. الإيجابية الحقيقية، كما يصورها القرآن، ليست غضّاً للبصر عن الألم، بل هي رؤية الألم في سياقه الأوسع، والإيمان بأنه ليس النهاية. انظر إلى قصة نبي الله يونس عليه السلام، في ظلمات بطن الحوت، قال: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”. في هذه اللحظة الفارقة: لم يتظاهر يونس بأنه ليس في محنة، ولم ينكر خطأه، لكنه لم يستعجل بالسيئة (وهي الغرق أو الموت)، بل استبقها بالحسنة (وهي الدعاء والاعتراف والرجوع). النتيجة كانت نجاته، بل تحول محنته إلى أعظم آية له في التاريخ. في حياتنا اليومية، نمرّ بلحظات شبيهة. الفشل في مشروع، رفض في طلب، خسارة مادية. الاستعجال بالسيئة هنا هو الاستسلام لصوت داخلي يقول: “أنت فاشل، الحياة غير عادلة، لا فائدة من المحاولة”. أما الحسنة فهي أن توقف هذا الصوت، وتسأل: “ماذا يمكنني أن أتعلم من هذه المحنة او هذا الموقف؟ كيف يمكن لهذا القفل أن يقودني إلى مفتاح جديد؟”. التنمية البشرية تسمي هذه العملية “إعادة الهيكلة المعرفية”. لكنها في العمق هي عملية روحية خالصة، تحتاج إلى إيمان بأن هناك يداً خفية تدبر الأمور، وأن العسر لا بد أن يتبعه يسر. وأن هذا الإيمان ليس وهماً، بل هو تجربة عملية أثبتتها الأيام.
على المستوى الوطني، إذا استطاع كل مسؤول، وكل موظف، وكل رب أسرة أن يوقف لحظة استعجاله بالحكم السلبي على الأمور، فسنجد أن الأزمات تتحول إلى فرص. المصنع الذي يغلق أبوابه قد يكون فرصة لتأسيس صناعة بديلة. المحصول الذي يتضرر بسبب الجفاف او الآفات او ضعف التسويق قد يكون دافعاً لابتكار نظم جديدة مبتكرة تتجاوز الأسباب المذكورة.
اما على المستوى الإقليمي والدولي، فالأزمة السياسية العابرة قد تكون فرصة لمراجعة الخلافات العميقة الناشئة بين الدول.
إذا فالمشكلة ليست في الأحداث، بل في عدساتنا التي ننظر بها. القرآن يدعونا إلى امتلاك “عدسة الحسنة”؛ هذه العدسة التي تجعلك في كل موقف تبحث عن النافذة التي لم تُفتح بعد. لنُدرّب عقولنا اليوم، لأن غدنا الجميل يبدأ بفكرة إيجابية نتبناها الآن، قبل أن تفلت منا الفرصة.
في المقال القادم سنسبر غور “أثر هذه العقلية على سوق العمل والاستثمار.”
