سالم السيفي
ليست المدن مجرد جغرافيا من حجر وإسفلت، بل هي كائنات حية تتنفس التاريخ، وتتأمل الحاضر، وتصنع المستقبل بوعي إنسانها. وعندما تلتقي زرقة البحر بامتداد الشاطئ، لا يعود الساحل مجرد حد فاصل بين اليابسة والماء، بل يتحول إلى مرآة تعكس طموح أمة، ومسرح تتحاور فيه الأصالة مع الحداثة في سيمفونية بصرية ممتدة. إن المدن العريقة كصحار، التي حملت يوماً أحلام السندباد واحتضنت قوافل التجارة العالمية عبر التاريخ، لا تنسى أمجادها، بل تعيد صياغتها لتواكب روح العصر. فالحديث عن تطوير الواجهة البحرية ليس نقاشاً حول أمتار من الأسمنت أو حارات للمرور، بل هو إبحار فلسفي في كيفية صون الذاكرة الجمعية للمكان، وإعادة هندسة الفراغات العمرانية لتبث الحياة في تفاصيل اليوم، جاعلة من التاريخ منطلقاً لنهضة مستدامة تفتح ذراعيها للعالم دون أن تفقد هويتها العمانية الأصيلة. ومن هذا المنطلق الجمالي والحضاري، نستشرف معاً ملامح الغد.
وعندما نتأمل القفزات التنموية المتسارعة التي تشهدها سلطنة عمان، تبرز ولاية صحار كنموذج استثنائي للمدينة الحيوية التي نجحت في المزج بين عراقتها التاريخية ونهضتها الاقتصادية الحديثة. فمن مركز تجاري تاريخي ارتبط برحلات السندباد الأسطورية، إلى عاصمة اقتصادية نابضة تضم ميناءً عالمياً، منطقة حرة، ومجمعات صناعية عملاقة. ومع هذا التطور والتنوع الاقتصادي والهندسي الهائل، سؤال يفرض نفسه وبقوة: كيف يمكن لصحار أن تستغل شريطها الساحلي الممتد لتشييد واجهة بحرية عالمية، تُعيد صياغة المشهد المروري والسياحي وتضع المدينة على خارطة الوجهات الإقليمية والدولية؟ إن إعادة هيكلة وتطوير هذا الشريط الساحلي، وتحويله إلى واجهة بحرية متكاملة، لم يعد مجرد رفاهية تجميلية، بل هو حاجة ملحة ومكمل طبيعي للهوية الاقتصادية والسياحية للمدينة، ليربط في نسيجه العمراني بين أصالة الماضي، وحيوية الحاضر، وتطلعات المستقبل الواعد.
وهنا يبرز الدور المحوري لمكتب سعادة محافظ شمال الباطنة، باعتباره المظلة الرائد والمحرك الأساسي لترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع؛ حيث يقع على عاتق المحافظة قيادة هذا التحول عبر تبني استراتيجيات تنموية ذات جدوى اقتصادية وتاريخية مستدامة. إن دور مكتب سعادة المحافظ يتجاوز التنظيم الإداري ليكون شريكاً في هندسة المستقبل، من خلال تذليل العقبات وتوفير التسهيلات التي تضمن تدفق الاستثمارات النوعية، وتوجيه بوصلة المشاريع الخدمية نحو خلق قيمة مضافة تعود بالنفع على المجتمع المحلي وتضمن ديمومة الموارد للأجيال القادمة.
وفي خضم هذا التطور الاقتصادي والهندسي الهائل، يتجلى البُعد التراثي والحضاري من خلال إبراز قلعة صحار التاريخية كمعلم سيادي شامخ يُهيمن على المشهد البصري للواجهة البحرية، فلا تكون القلعة مجرد أثر من الماضي، بل نقطة الارتكاز التخطيطية التي ينبثق منها امتداد الكورنيش الحديث.وإبراز هذا المعلم عبر منظومة إضاءة ليلية دراماتيكية، وتأهيل الساحات المحيطة به لاحتضان الفعاليات الثقافية الحية والمتاحف المفتوحة، يمنح المشروع عمقاً تاريخياً فريداً يُعد بطاقة دعوة جاذبة للمستثمر المحلي، والإقليمي، والعالمي، للمساهمة في مشاريع الضيافة والتجزئة التي تستلهم الطراز المعماري العماني الكلاسيكي، مما يحول الواجهة إلى أرض خصبة لاستثمارات نوعية ذات عوائد مستدامة تتقاطع فيها مصلحة التنمية بروح الأصالة تحت إشراف وتوجيه من المحافظة.
ولتحقيق التوازن البصري والحضاري، تطرح الرؤية مقترحاً جريئاً لإعادة الهندسة العمرانية للمنطقة المحيطة بسوق صحار التقليدي، حيث يرتكز هذا المحور على سد الفجوات التخطيطية الناتجة عن المباني القديمة المتهالكة، وإعادة ترميمها وتأهيلها بواجهات معمارية موحدة تحافظ على الطابع العماني الكلاسيكي والهوية البصرية للمدينة مع التخلص من التشوهات الجمالية. ويتكامل هذا التحول بتصميم شبكة متطورة من الممرات والزقاق الحيوية والمظللة التي تربط قلب السوق النابض مباشرة بالواجهة البحرية الحديثة، وهو دمج عمراني حداثي متوازن يضمن انسيابية مرنة لحركة الزوار والمرتادين، ويتيح لهم الانتقال بسلاسة بين عبق التجارة التقليدية في السوق، وحداثة المرافق الترفيهية على الشاطئ، محولاً الجولة السياحية إلى رحلة عبر الزمن ممتدة الأطراف.
ويستند هذا التماسك العمراني والتاريخي إلى محور التوسعة المرورية والهندسة الجمالية؛ وذلك عبر الاستفادة من تقنيات ردم البحر المدروسة هندسياً لتوفير مساحات إضافية شاسعة وعميقة، تُستغل في بناء المرافق الحيوية دون المساس بالبيئة البحرية للمدينة. ويتبع ذلك إعادة تخطيط وتوسعة الطريق الساحلي ليكون بعرض أربع حارات للسيارات، بواقع حارتين في كل اتجاه، مما يضمن انسيابية الحركة المرورية ويستوعب التدفق الكثيف للمركبات والزوار في أوقات الذروة والإجازات، تزامناً مع مد رصيف بحري عريض وممتد، يكون مشجراً بالكامل ومضاءً بأحدث تقنيات الطاقة الشمسية، مع تخصيص مسارات معزولة وآمنة لممارسة رياضة الجري وركوب الدراجات الهوائية.
وفي إطار السعي نحو صناعة إطلالات ساحرة وتأهيل المواقع الترفيهية والسياحية، تبرز أهمية تصميم متنزهات خضراء واسعة ومفتوحة تطل مباشرة على البحر، تتداخل معها مقاهٍ ومطاعم بتصاميم زجاجية وعصرية فريدة، تمنح الزوار تجربة جلوس استثنائية أمام الأفق البحري لصحار. وهنا يتجلى تنوع طهي وثقافي فريد من خلال استقطاب سلسلة من المطاعم العالمية والمحلية التي تقدم خيارات متنوعة من الأكلات البحرية الطازجة، والمطابخ الشرقية والعالمية، مما يحول الواجهة البحرية إلى ملتقى حقيقي للثقافات، ومقصد لعشاق التذوق الذين يجدون في تباين الأطباق وتعدد النكهات متعة إضافية تكمل سحر الإطلالة البحرية. ويتكامل هذا المظهر الجمالي مع مقترح إنشاء مرسى بحري مارينا يستقطب هواة الرحلات البحرية واليخوت، ويوفر جولات سياحية تربط صحار بالولايات المجاورة، مدعوماً برؤية طموحة لخلق واحة خضراء مستدامة تعتمد على التشجير المكثف للمسطحات، وزراعة أشجار الظل المحلية وأشجار القرم، مما يسهم في تلطيف أجواء الشاطئ، وخلق بيئة صحية نقية تحفز العائلات على قضاء أوقات أطول في الهواء الطلق.
ولا يمكن فصل هذا الحراك الجمالي عن توفير بنية تحتية خدمية متكاملة ترفع من جودة المرافق العامة، من خلال تزويد الواجهة البحرية بكافة الخدمات الأساسية الضرورية وبأعلى معايير النظافة والجودة، بما في ذلك دورات مياه حديثة وموزعة بشكل مدروس، ومصليات، ومواقف سيارات ذكية وممتدة، ومناطق مخصصة لألعاب الأطفال. ويواكب هذه الخدمات محور حيوي لتحفيز الاستثمار ودعم الشباب العماني من خلال تخصيص منطقة تسوق مفتوحة تحتضن الأكشاك الأنيقة للمشاريع الشبابية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لبيع الحرف التقليدية والمأكولات الشعبية الخفيفة والهدايا التذكارية، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على إقامة فنادق ومنتجعات بوتيك مصغرة ذات طابع يمزج بين التراث والعصرية لخدمة زوار المدينة ورجال الأعمال.
إن العوائد المتوقعة من تحويل كورنيش صحار وتوسعته إلى واجهة بحرية حديثة برؤية رباعية الحارات، مدمجة تاريخياً وعمرانياً، تتجاوز البعد الترفيهي المجرّد لتعيد صياغة المشهد السياحي والتخطيطي في شمال الباطنة بأكمله؛ فمن الناحية الاقتصادية، يسهم المشروع في تنويع مصادر الدخل للمحافظة، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وخلق فرص عمل جديدة ومبتكرة للشباب العماني في قطاعات السياحة والضيافة وفنون الطهي. أما اجتماعيّاً، فإنه يوفر بيئة صحية ومثالية ،متكاملة الخدمات للعائلات والأفراد، مما يرفع مؤشرات جودة الحياة في المدينة، ويضع صحار كوجهة رئيسية في خطط الجذب السياحي العالمية للسلطنة، مستفيدة من قربها الجغرافي من المنافذ الحدودية والدول المجاورة.
وفي الختام، يمكن القول إن صحار تمتلك كافة المقومات الجغرافية، التاريخية، والبشرية لتكون صاحبة واحدة من أجمل وأذكى الواجهات البحرية في المنطقة. وما نحتاجه اليوم هو رؤية تخطيطية شاملة وشراكة حقيقية تنبثق من الجهود الدؤوبة لمكتب سعادة محافظ شمال الباطنة بالتكامل مع القطاعين الحكومي والخاص، لإعادة صياغة هذا الشريط الساحلي وتطويره هندسياً وخدمياً؛ نريد لصحار أن تكون لؤلؤة تشع بجمالها الأصيل على بحر عمان، وتترجم عمق تطلعات رؤية عمان 2040 في تنمية المحافظات وازدهارها المدني، السياحي، والاقتصادي المستدام.
