المحامي أحمد بن حسن بن إبراهيم البحراني
عاد قانون مقاطعة إسرائيل رقم (9/72) إلى واجهة النقاش القانوني والسياسي في السنوات الأخيرة مع تصاعد الحرب على غزة وعودة الحديث عن المقاطعة باعتبارها إحدى وسائل الضغط السياسي والاقتصادي. وقد أثار ذلك تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان هذا القانون الذي صدر في فجر النهضة المباركة عام 1972 ما زال قادراً على تحقيق الأهداف التي شرع من أجلها قبل أكثر من نصف قرن أم أن التطورات السياسية والاقتصادية والإعلامية التي شهدها العالم تستوجب إعادة النظر فيه وتحديثه.
عندما صدر القانون العماني كانت طبيعة الصراع مختلفة تماماً عما هي عليه اليوم. فقد كان التركيز منصباً على المقاطعة التجارية ومنع دخول البضائع الإسرائيلية ومنع الشركات المتعاملة مع إسرائيل من الاستفادة من الأسواق العربية. ولهذا جاءت أحكام القانون مركزة على الصفقات التجارية والعمليات المالية والبضائع وشهادات المنشأ والموانئ والمناطق الحرة والعقوبات المقررة على المخالفين. وكان ذلك منسجماً مع طبيعة البيئة الاقتصادية والسياسية السائدة آنذاك.
غير أن العالم تغير بصورة جذرية خلال العقود الخمسة الماضية. فقد أصبحت العلاقات الدولية أكثر تعقيداً وتشابكاً، وأصبحت الشركات متعددة الجنسيات تدير أعمالها عبر عشرات الدول، كما ظهرت وسائل جديدة للتواصل والتأثير لم تكن معروفة عند صدور القانون، مثل المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي والبودكاست والمؤتمرات الافتراضية والفعاليات الثقافية العابرة للحدود. وأصبح الجدل لا يدور فقط حول البضائع والصفقات التجارية، بل امتد إلى العلاقات الثقافية والإعلامية والأكاديمية والرياضية.
ومن هنا يبرز السؤال القانوني المهم: هل يكفي النص الحالي لمواجهة صور التطبيع الحديثة أم أنه صيغ لمعالجة واقع مختلف تماماً عن الواقع الذي نعيشه اليوم؟
ولعل التجربة العراقية تقدم نموذجاً جديراً بالدراسة في هذا السياق. ففي عام 2022 أصدر العراق قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو قانون يختلف في فلسفته عن قانون المقاطعة العماني. فبينما يركز القانون العماني على حظر التعاملات التجارية والاقتصادية، يتجه القانون العراقي إلى تجريم التطبيع ذاته بمختلف صوره السياسية والثقافية والإعلامية والاقتصادية والأمنية. وبعبارة أخرى فإن القانون العراقي لا يعالج فقط مسألة المقاطعة الاقتصادية، بل يسعى إلى رسم حدود شاملة للعلاقة مع إسرائيل في مختلف المجالات.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن النموذج العراقي هو النموذج الأمثل أو أنه يصلح للتطبيق بحذافيره في جميع الدول، فلكل دولة ظروفها السياسية والدستورية والتزاماتها الدولية الخاصة بها. إلا أن المقارنة بين التشريعين تكشف بوضوح أن القانون العماني ينتمي إلى جيل تشريعي أقدم كان ينظر إلى المقاطعة باعتبارها أداة اقتصادية وتجارية في المقام الأول، بينما ينتمي القانون العراقي إلى جيل أحدث ينظر إلى التطبيع باعتباره ظاهرة متعددة الأبعاد تتجاوز حدود التجارة والبضائع.
ومن وجهة نظري فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول تشديد العقوبات أو تخفيفها بقدر ما ينبغي أن ينصب على وضوح النصوص القانونية وقدرتها على مواكبة الواقع. فالقانون الناجح ليس بالضرورة هو الأكثر صرامة، وإنما هو القانون الأكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق والانسجام مع البيئة القانونية والدستورية التي يعمل ضمنها.
إن قانون مقاطعة إسرائيل رقم (9/72) يمثل جزءاً من الذاكرة التشريعية العمانية ومن تاريخ السلطنة في مرحلة التأسيس الأولى، وقد أدى دوراً مهماً في سياقه التاريخي. غير أن مرور أكثر من خمسين عاماً على صدوره يفتح الباب أمام نقاش قانوني مشروع حول مدى الحاجة إلى مراجعته وتحديثه بما يواكب التحولات السياسية والاقتصادية والإعلامية التي شهدها العالم والمنطقة خلال العقود الماضية، وبما يحقق التوازن بين وضوح السياسة التشريعية للدولة وبين متطلبات التطبيق العملي في عالم بات أكثر ترابطاً وتعقيداً من أي وقت مضى.
