د. سالم الوهيبي – شؤون وطنية
نقطة التحوّل التي غفلنا عنها
في زحام الأخبار السيئة، وارتفاع منسوب القلق اليومي، وتراشق الاتهامات حول أسباب التضخم والبطالة والخلافات الاجتماعية، نادراً ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالاً واحداً، بسيطاً لكنه مصيري:”هل نحن من نستعجل النتائج السيئة قبل أن نعطي الفرصة للخير أن يولد؟”. ففي سورة النمل، يقف النبي شعيب عليه السلام أمام قومه المتمردين، ليسدد لهم طعنة في صميم منطقهم المنهار، فيقول: “يا قومِ لمَ تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة”. الآية ليست وعظاً دينياً عابراً، بل هي تشخيص دقيق لعِلّة نفسية عميقة، يعاني منها أفرادنا ومؤسساتنا وأوطاننا اليوم: “التسرع في توقع الأسوأ”.
تأمل معي: عندما ترتفع أسعار السلع الأساسية، كم شخصاً سيهرع إلى تخزينها في اليوم الأول، فسبب هو بنفسه أزمة شحّ غير حقيقي ومصطنع جعلت الأسعار ترتفع أكثر؟ كم مديراً في مؤسسة رأى خطأ صغيراً من موظف، فاستعجل بتصنيفه “مهملا” و”كسولاً” ففقده، ثم اكتشف لاحقاً أنه كان يمر بظرف أسري او اجتماعي صعب؟ وكم شاباً نظر إلى مستقبله في بلده، فاستعجل بإصدار حكم الإعدام على وطنه، وقرر الهجرة، ليترك مكاناً كان بإمكانه أن يملأه بطاقته، وافكاره ، وانجازاته؟.
القرآن يسمي هذا الفعل “السيئة”؛ لأن المبادرة إلى اليأس هي الخطيئة الأولى. أما “الحسنة” فهي أن تمنح نفسك مهلة، أن تبحث عن الجانب الآخر من القصة، أن تفتح نافذة الأمل قبل أن تغلق كل الأبواب. هذه المهلة ليست رفاهية فكرية بل هي شرط أساسي للنجاة. علم النفس الحديث يؤكد أن دماغ الإنسان يميل طبيعياً إلى “التحيز السلبي”، أي التركيز على التهديد أكثر من الفرصة، لكن التطور والرقّي يبدأ حين نُدرّب عقولنا على كسر هذه الغريزة، ونتّخذ قراراً واعياً بأن نكون أكثر حياداً وإنصافاً مع أنفسنا ومع الآخرين.
المجتمعات التي تتعجّل الحكم على نفسها بالفشل، تنهار قبل أن تنهار أسواقها. لأن اليأس يقتل المبادرة، والمبادرة هي الدم الذي يغذي أي اقتصاد. لنمتنع قليلاً عن استعجال السيئة، ولنمنح أنفسنا والمشهد الوطني فرصة لنرى “الحسنة” التي قد تكون مختبئة خلف غيمة الأرقام الصعبة. هذه هي نقطة الانطلاق الحقيقية لأي نهضة.
قي المقالة القادمة سنبحر في الإجابة علي سؤال ” كيف نصنع من التفكير الإيجابي وقوداً لأعمالنا وأسواقنا؟”
