محمد بن عيسى البلوشي- إعلامي وكاتب في الشؤون الاقتصادية
لم أكن أحسب أن عودتي إلى ولاية “مصيرة” بعد نيف وخمس ستضعني وجهًا لوجه أمام المشهد ذاته؛ فكل ما في هذه الجزيرة الآسرة لا يزال ينبض بعذرية الطبيعة البكر، وكأن الزمن قد توقف وتواطأ مع رغبتي في أن تظل هكذا. إن سر جمال هذه البقعة الساكنة في أحضان بحر العرب يكمن في هدوئها السرمدي الذي يمتزج بأعماق الزائر ويرافقه في رحلة انفكاك عن صخب العالم.
ورغم هذا السحر الخالص الذي ينشده عشاق السياحة البيئية، وتلك الأجواء الخريفية الاستثنائية التي توحد جزيرة مصيرة بالشريط الساحلي الممتد من “رأس الحد” شمالاً إلى “ضلكوت” في أقصى جنوب ظفار؛ إلا أن عين المراقب لم تخْلُ من تطلعات اقتصادية، تبلورت في تساؤلات ملحة تحت فكرة “ماذا لو؟”:
أولاً: الارتقاء بالرحلة البحرية: ماذا لو بادرت شركة “مواصلات” بتطوير تجربة العبور على متن عباراتها المتجهة من “شنة” وإليها؟ وذلك عبر توفير منافذ راقية للمأكولات الخفيفة والمشروبات، مدعومة بلمسات إنشائية كالمظلات العلوية لتمكين السياح من الاستمتاع بالرحلة البحرية التي تقارب الساعة وسط أجواء مريحة وممتعة.
ثانياً: تنويع المطبخ السياحي: ماذا لو تم استقطاب مطاعم سياحية عالمية ومحلية لتقديم خيارات أوسع من المأكولات العُمانية، لاسيما البحرية منها، بما يلبي ذائقة السائح العُماني والخليجي والعالمي على حد سواء؟
ثالثاً: ريادة الأعمال والتمكين المعرفي: ماذا لو تبنت “هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة” مبادرة استثمارية بإنشاء مركز وحاضنة لريادة الأعمال بالولاية؟ على أن تعمل بالتنسيق مع المجلس البلدي ومكتب الوالي لإعادة توجيه طاقات الشباب نحو الفرص المتجددة في قطاعات السياحة، والثروة السمكية، والطاقة.
رابعاً: صياغة الهوية السياحية: ماذا لو قام معالي وزير التراث والسياحة برفقة الفريق المختص بزيارة ميدانية لبحث سبل تحويل الجزيرة إلى قبلة سياحية إقليمية، لا سيما في فصل الصيف، عبر حزمة من الفعاليات النوعية وتطوير المنشآت الفندقية بنيوياً وبشرياً بما يتناغم مع طبيعة المنطقة؟
خامساً: استثمار الطاقة المتجددة: ماذا لو حظيت مصيرة بزيارة من معالي وزير الطاقة والمعادن للوقوف على إمكانات الجزيرة الهائلة في قطاعي طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ودراسة جدوى تدشين أول محطة كهربائية خضراء تعتمد كلياً على الرياح؟
سادساً: التطوير العقاري والسياحي الفاخر: ماذا لو شُيِّد ميناء لليخوت والسفن السياحية على السواحل الغربية للجزيرة، تلتحم به منطقة سكنية بنظام التملك الحر ومنتجعات فاخرة (على غرار مشروع الموج مسقط)، ليمثل نقلة نوعية في الاستثمار العقاري السياحي؟
سابعاً: تمكين المجتمع المحلي: ماذا لو كثفت وزارة التنمية الاجتماعية، بالتعاون مع جمعية المرأة العُمانية بمصيرة، برامج “الأسر المنتجة” عبر إنشاء سوق مركزي مخصص لعرض المنتجات المحلية كأداة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي؟
ثامناً: السوق الشعبي التقليدي: ماذا لو أُنشئ “سوق مصيرة الشعبي” ليكون متصلاً بالميناء البحري، ويضم سلسلة من المقاهي والمحلات التي تفوح بأصالة القهوة العُمانية والمأكولات التقليدية، مما يضفي بعداً ثقافياً وتراثياً على التجربة السياحية؟
قد لا تعدو هذه الخواطر كونها طموحات زائر أخذ بجمال هذه الولاية، وربما شاركني فيها الكثير من مرتادي الجزيرة؛ بيد أنني على يقين تام بأن تطلعات هذا الوطن العزيز وهمم أبناء مصيرة الأوفياء تتجاوز هذه الآفاق بكثير؛ صياغةً لمستقبل واعد يواكب الطموحات الكبرى لـ “رؤية عُمان ٢٠٤٠”.
