عبدالرحيم بن خميس العدوي
صوت صاخب يلج مسامعي بين اليقظة والسبات: عبدالرحيم .. بل آلاف من عبدالرحيم تصرخ: أبي سقط! يا زمن قف ولا تمحقني الآن الأسئلة اللاواقعية. بهدير من الخطوات مندفع نحو نجدة من كان مستنجدي. هنا أصوات تنتحب، وتطوف متناوبة بين مسعفٍ وداعٍ. يا لها من فاجعة.. أأنقذ أبي؟ أبي الذي طالما رأيته جبلاً شامخاً. هنا وجدتني في أعصب موقفٍ مر علي، أستقوي بيدي، وأهوي عليه بمئات الضغطات على قفصه، ولا فائدة مما أفعل. رجاءً ساعدوني .. خذوني إلى من بأيديهم بعد الله كلمة الحياة. وصلت وأنا أستذكر كل ما فعلته في الطريق، وتلك الدمعة الأخيرة التي انسابت منه، كأنه يراني أحاول عونه، ولكن بلا منفعة.
هنا أربعة عشر حكيماً يحاولون بأفطن مما قمت به، ست عشرة محاولة للإنعاش، وكانت الأخيرة منها بطلبٍ مني؛ أستحضر في داخلي حادثة وقعت عام 2005م، كما أخبرني بها يوماً، حين قدّر الله عليه بنعيم الحياة عشرين عاماً بعدها. ثم نظر الطبيب إلى العيون المغرورقة، فزاد دفعةً أخيرةً من الإنعاش، وبعدها جاء الصوت كالسهم في القلب: أدعو له بالرحمة.
حياة جديدة بدأت، لم أعتد ملامحها بعد، غير أنني أستشعر وجودها من طود إرثك العظيم، واضعاً نفسي في منتصف صورةٍ جمعتنا معاً؛ لأبقي وصال روحك النقية ممدودا بيننا، وأستأنس حضورك من روازن ذاكرتي. الأمر ليس هيناً؛ أن تحاول السيطرة على وابل الذكريات، وهي لا تأتي فرادى، بل تنهمر كأنها علمٌ قائم بذاته، تخصصه: العاطفة، وأولى مواده “ذكريات أب ليته كان خالداً.”
عن الخلود..
في رحلة الوجدان أبحث عن الفرجة، لعلها تُعيد إلي شعور حضور الجسد الراحل؛ فما عادت تكفيني آثاره الباقية في ردهات هذه الفانية، وقلت مخاطباً وجداني: لقد وقع الحدث واختار القدر أدسم المصائر إيلاماً، فما عساي فاعل؟
قال: خارج سيطرتنا حتى نفهم.
قلت: أبداننا إلى أديم الأرض محتومة ولكن هل بين لمح البصر وتلاشي البدن خلود؟
قال: أمراه حادث بعملنا القائم.
إنها الحياة؛ تسيرك أكثر مما تخيرك، ولا تترك لك الخيار إلا لمماً، وكأنه الأمس عندما تحدثنا ونحن نجوب عُمان بمشروعنا الحضاري وأقول: ما لها هذه الحياة كل يوم تأتينا بما ترغب، ونحن في رغبتها نحوم، ابتسم ضحاكاً قال: صدقت.
كان ضَعْنُك أثقل من أن يحتمله الفؤاد، فكل الأحلام بعدك أنصاف، وتحتاج سراجك لتكتمل. وما إن ألتفت حولي حتى أراك حاضراً في كل شيء؛ فتلك الكلمات على حاسبوك تنتظر نقاط آخر السطر، وأصحاب الندوة متلهفون لاجتماع السبت، والأصدقاء عن المعرفة يسألون والعائلة إلى حضنك مشتاقة والمكتبة ليديك تتوق والحضارة تسأل: من يبقيني للوجود؟
أيا أيها الذي رحلت عنا، القلب مكلوم، والعيون تبكي، والشوق إلى لقياكم في دار القرار لا يفارقنا. وما أكثر ما يُلهب هذا الشوق؛ تلك الأسئلة التي ما زالت تنتظر جوابك، والمسودات التي تنتظر نظرتك الأخيرة، والخرائط التي كانت تستبشر بخطواتك. حتى الأماكن التي سرنا فيها معاً، كلما مررت بها خيل إلي أن حديثاً لم يتكمل بعد، وأنك ستلتفت بعد لحظة لتقول: “قف هنا، لعلنا أغفلنا معنى لم يلتفت إليه أحد”.
رحلت، وبقيت في كل مشروع بدأناه، وفي كل سؤال علمتنا ألا نتعجل جوابه، وفي كل فكرة لم تبلغ تمامها بعد. ولعل أعظم ما ورثناه عنك أنك لم تترك لنا أجوبة فحسب، بل تركت لنا طريقة نسأل بها، ونفكر بها، ونبصر بها العالم فأنت الذي قلت: “السؤال هو عمل العقل الأول؛ أما الجواب فهو عمل البحث والتجربة، فمن الطبيعي أن تتكاثر الأسئلة وتكبر في مقابل البحث الذي لا يحصل على الأجوبة إلا بعناء” منصة أكس 13/06/2023
ما سطرته هنا، ليس إلا كلمات مبعثرة ومتناثرة من الذكرى، أما الحديث عن والدي خميس بن راشد العدوي فإنني أمام مقام تُخرس هيبته البيان، وكلما هم القلم بوصفه أستشعر قصوره. وأنني في حقه كالأنام في أول عهدهم بالكتابة؛ فلا كلمات تسعفني ولا اللغة تفي حقه. فالحياة كلها آباء بدونهم لا شيء يزهو في الحياة مستذكراً ما قالته بشرى خلفان في حقهم “لم أكن أعرف أن العالم خلق محمولاً على أكتاف الآباء، وأن السماء تسقط متى ما رحلوا، وأن الحياة، كل الحياة، تصبح خالية إن خلا منهم المكان، وأن نظرة العتاب في عيونهم، ما هي إلا دروس قصيرة، تمرر بين القلب والعين..” دلشاد: سيرة الجوع والشبع.
