الحبيب سالم المشهور – شؤون وطنية
استمعت إلى مقطع مرئي لأحد من تصدّر لنقد الغرب وفلسفاته وحضارته يقول فيه: “أرى أنّ الكثير من الإنجازات المادية التجريبية، والثورة العلمية الهائلة التي حدثت فقط في العصر الحديث، هي بفعل الشياطين، إيحاءٌ من الجن، والقفزات الكبيرة التي حدثت كانت على يد من كانوا يتواصلون مع الشياطين”.
هكذا فسّر الأستاذ الفاضل أسباب ظهور الحضارة الغربية، وهو يظن أنّه بهذا يوجّه ضربة قوية للتيارات الغربية، ولا يدري المسكين أنّ قوله هذا يفتح بابًا من الشكوك في عقول الشباب، وقد يدفع بعضهم -لا سمح الله- إلى الشك في الدين نفسه من خلال ربطه بالخرافات، ومثل هذا الخطاب المتهافت.
ويُذكّرني طرح هذا الرجل بما قرره الغزالي في بداية كتاب (تهافت الفلاسفة) عندما قال: «وضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقه!».
في دفاعنا عن الدين، أو عن حضارتنا ومصالحنا القومية، لا نحتاج أبدًا إلى أن نخاصم العلم أو نقع ضحية لخطاب لا يجيد إلا شيطنة كل شيء!
صعود الحضارة الغربية له أسبابه، وقد أشبعها المتخصصون بالدرس والبحث، ولم يكن هذا الصعود بفعل الجن أو الشياطين، وإنما كان نتيجةً طبيعيةً للعمل، والصراع الفكري الضخم، وحركة الاستعمار الهائلة التي جابت الدنيا. ولمن أراد أن يقف على شيء من ذلك، فبإمكانه أن يقرأ كتاب (قصة الحضارة) لويل ديورانت.
إنّ صعود الحضارة الغربية لم يكن طفرةً مفاجئة أو لغزًا غامضًا، بل هو ثمرة مخاض تاريخي وفكري ممتد؛ بدأ بعصر النهضة الذي استلهم علوم الحضارات السابقة -وعلى رأسها الحضارة الإسلامية-، ثم عصر الأنوار وصراعه لتفكيك الاستبداد، وصولًا إلى الثورة الصناعية وتوظيف العلم في الإنتاج.
هذا التراكم المعرفي، والجهد الإنساني المضني، وما اقترن به من توسع استعماري، هو ما صنع هذا التفوق المادي. فهي صيرورة خاضعة لسنن الله الكونية الصارمة التي تجعل الغلبة لمن يأخذ بالأسباب ويفهم منطق التاريخ، لا لمن يستسلم للوهم والخرافة.
أظن أننا بحاجة إلى أن نؤسس خطابنا المناهض للهيمنة الغربية على قواعد راسخة من أحكام العقل والدين، وفهم التاريخ، ومنطق المصالح، لا أن نفتح الباب على مصراعيه لهذا النوع من الدروشة الفكرية!
واجب المرحلة يُحتّم علينا أن نأخذ بأسباب الحضارة كلها، ومن أهمها امتلاك ناصية التفكير المنهجي البعيد عن الخرافة والتفسيرات الساذجة!
على الشباب المؤمن المتحمس لنصرة دينه أن يعلم أنّ تهذيب الخطاب الديني، والبعد عن الارتجال، من أفضل ما نقدمه للدين. فبعض ما نسمعه من خطاب ديني هو -والله- مما يتسبب في صدّ الناس عن دين الله، بل وإخراج كثير من شبابنا من الدين. فاتقوا الله في دينكم وأمتكم!
ومن الجيد في هذا المقام قراءة ما كتبه رواد الإصلاح والإحياء، كالسيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والكواكبي، ومن قبلهم خير الدين التونسي، والطهطاوي، وشكيب أرسلان، والسيد محمد رشيد رضا، وغيرهم ممن حاولوا أن يجيبوا عن سؤال النهضة: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟
القول بأن الحضارة الغربية من وحي الجن، هو عزاءٌ للكسالى، ووهمٌ مريح، وضربٌ من الوهم الفكري الذي يعفينا من مواجهة أسئلتنا الحقيقية.
فعلى رسلكم يا من تدافعون عن الإسلام وحضارته، لا تكونوا -من حيث لا تشعرون- أداةً من أدوات الحرب على الإسلام!
الحبيب سالم المشهور
