ابراهيم محمد المحروقي – شؤون وطنية
بالتزامن مع ما نشرته وسائل الإعلام المحلية عن الجمعية العُمانية للفلك والفضاء بأن الأرض كانت مساء يوم الاثنين 6 يوليو عند الساعة 9:30 مساءً بتوقيت سلطنة عُمان إلى “الأوج الشمسي” وهو أبعد موضع لها عن الشمس في مدارها السنوي حيث تبلغ المسافة بين مركزي الأرض والشمس 152,087,775 كيلومترًا تذكرت ذلك القول الذي كبرنا عليه جميعاً ويتردد في مسامعنا سواء على مقاعد الدراسة أو بين أروقة المحاضرات الوعظية أو الفكرية :”لو اقتربت الأرض من الشمس قليلًا لاحترقت، ولو ابتعدت قليلًا لتجمدت”
لا شك أن هذه العبارة جاءت بنية صادقة ومقصد نبيل يسعى إلى ترسيخ عظمة الخالق سبحانه وتعالى في النفوس البسيطة لكن مناسبة الأوج الشمسي اليوم تفرض علينا وقفة تأمل تدعونا إلى إعادة النظر في هذا المفهوم الشائع من زاوية علمية أكثر عمقاً ودقة.
ومن رأيي أن الإيمان الحقيقي لا يتغذى على المبالغات والعلم الصحيح لا ينتقص من الإيمان أبداً بل يزيده رسوخاً وثباتاً في قلب الإنسان فالحقائق الكونية الموجودة في هذا الوجود أبلغ أثراً في النفس من أي تهويل مهما كانت حسن النية وراءه.
إن عظمة الخلق لا تحتاج إلى تضخيم لأن القوانين الكونية نفسها — كما تكشفها لنا الفيزياء وعلم الفلك — كافية لأن تدعو الإنسان العاقل إلى التدبر والتأمل والتفكر دون أن نصور هذا الكون الأنيق وكأنه بناء هش يقف على حافة الانهيار عند أي تغير بسيط أو حركة يسيرة.
الفصول الأربعة وحقيقة المدار:
ولفهم هذا الأمر بوعي علمي لا بد أن نذكر أولاً أن الفصول الأربعة التي نعيشها لا تحدث بسبب اقتراب الأرض من الشمس أو ابتعادها عنها، وإنما السر يكمن في ميل محور الأرض بنحو 23.5 درجة عن مستوى مدارها. هذا الميل هو الذي يجعل أحد نصفي الكرة الأرضية يستقبل أشعة الشمس بزاوية أكثر عمودية وللساعات نهار أطول فيحل فصل الصيف بينما يتعرض النصف الآخر لأشعة أكثر ميلاً ولساعات نهار أقصر فيأتي الشتاء ببرده، وبعد ستة أشهر ينعكس المشهد في دورة بديعة لا تنقطع.
أما المسافة بين الأرض والشمس فهي متغيرة بالفعل؛ لأن مدار الأرض حول مركز الشمس ليس دائرياً بل هو مدار إهليلجي (بيضاوي). وفي الوقت الذي يبلغ فيه متوسط هذه المسافة نحو 149.6 مليون كيلومتر فإن الأرض تظل تسبح في هذا الفضاء المرن صعوداً وهبوطاً.
وهنا تبرز المفارقة الجميلة واللطيفة فالصيف في نصف الكرة الشمالي (الذي نعيشه الآن في يوليو) يأتي في الوقت الذي تكون فيه الأرض في أبعد نقطة لها عن الشمس (الأوج). بينما سيصادف “الحضيض الشمسي” المقبل — وهو أقرب موضع للأرض من الشمس — في الثالث من يناير عام 2027 حيث ستقترب الأرض من الشمس لتصبح على مسافة 147,104,592 كيلومتراً أي بفارق يقارب خمسة ملايين كيلومتر كاملة عن موضعها اليوم.
هذه الحقيقة وحدها بفارق خمسة ملايين من الكيلومترات صعوداً ونزولاً، تكفي لتبين لنا أن العبارة الوعظية القديمة لم تكن تعكس الصورة العلمية الصحيحة وأن الأرض لا تحترق إن اقتربت ملايين الكيلومترات ولا تتجمد إن ابتعدت بمثلها…قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
فالإتقان في السنن الإلهية لا يعني الهشاشة أو الوقوف على حافة الهاوية، وإنما يعني نظاماً بالغ الدقة يجمع بين رسوخ السنن ومرونة الحركة ويعمل وفق موازين ثابتة تتسع للحياة وتدعمها.
المعرفة الإنسانية.. رحلة التواضع المستمرة:
ومن أجمل ما يلفت النظر في هذا الكون الشاسع، أنه صُمم ليكون قابلاً للحساب والتدبر فالإنسان اليوم بفضل القوانين الرياضية والحواسيب يستطيع حساب مواعيد الكسوف والخسوف بدقة متناهية لآلاف السنين المقبلة كما يمكنه التنبؤ بحركة الكواكب وتوجيه مركبات الفضاء نحو أجرام تبعد ملايين الكيلومترات اعتماداً على قوانين الجاذبية.
ومع ذلك تظل لهذه الدقة البشرية حدودها فالأخطاء الصغيرة في القياس تتراكم مع الزمن والتفاعلات الجاذبية المعقدة والمستمرة بين الأجرام تجعل التنبؤات البعيدة جداً فيها الكثير من الشك. وهذا ليس نقصاً في القوانين الكونية بل هو تذكير دائم بحدود المعرفة البشرية وإحاطتها.
ومن هنا يتجلى في لدينا المعنى العميق للآية الكريمة: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
هذه الآية لا تحجم العلم ولا تقلل من جهود العقل وإنما تضع الكبرياء الإنساني في حجمه الحقيقي أمام اتساع الوجود. فالإنسان قادر على الفهم والاكتشاف لكنه أبداً لا يحيط بكل شيء.
وتاريخ العلم نفسه يثبت لنا هذه الحقيقة فقوانين نيوتن التي اعتبرها العالم يوماً ما تفسيراً نهائياً ومطلقاً لحركة الأجسام جاءت النسبية لأينشتاين لتضع لها حدوداً وتكشف قصورها عند السرعات العالية والحقول الجاذبية القوية، واليوم لا يزال العلماء يبحثون عن نظرية توحد بين النسبية وميكانيكا الكم دون الوصول إلى نهاية للمطاف. هذا ليس ضعفاً في العلم بل هو جوهره وطبيعته المتجددة فكل جيل يبني فوق ما تركه سلفه، ويصحح المسار بوعي وانفتاح.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
فكلما اتسعت دائرة الضوء والمعرفة أدرك الإنسان العاقل أن مساحات الظلمة والأسرار التي لم تُكتشف بعد هي الأوسع والأرحب هذا الاعتراف بالحدود لا يقلل من قيمة العقل بل يمنحه تواضعه الحقيقي ويدفعه لمزيد من البحث فالكون يسير بنظام ثابت لكن قدرتنا على احاطته تبقى قاصرة. ولذلك فإن العالم الحقيقي هو الذي يبقى قلبه وعقله مستعدين دائماً للمراجعة والتصحيح.
وهنا تحديداً يلتقي المنهج العلمي الأصيل بالتدبر الإيماني العميق في أبهى صوره مصداقاً للطلب الإلهي:
﴿وقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
فطلب الزيادة ليس إلا اعترافاً مبطناً بأن المعرفة رحلة ممتدة لا تنتهي، وأن الإنسان كلما تعلم خطوة، ازداد إدراكاً لحجم ما يجهله.
في نهاية المطاف أرى أن عظمة هذا الكون لا تكمن في تصويره كبناء واهن يختل توازنه عند أي تغير طفيف، بل في كونه منظومة متقنة صاغتها القدرة الإلهية تعمل بثبات محكم ومرونة قادرة على استيعاب الحركة والتغير. ليس كوناً قائماً على المصادفات العابرة ولا توازناً قلقاً يهدده الفناء بين لحظة وأخرى بل هو نظام يدعو إلى الطمأنينة والتأمل ويمنح هذا الإنسان العابر القدرة على الفهم والاكتشاف بقدر ما قدر الله له.
ويبقى الإنسان مهما أوتي من أسباب العلم والمعرفة باحثاً صغيراً يتعلم في زاويةٍ من كون أعظم من أن يحيط به وكلما ازداد معرفةً بيقين العلم ازداد إيماناً بإتقان الخالق وعظمته.
