طالب بن سيف الضباري
dhabari88@hotmail.com
لا يختلف اثنان على أن المسكن يُعد في مقدمة المتطلبات والاحتياجات الأساسية لتأمين مقومات الاستقرار الأسري والاجتماعي، فهو ليس مجرد جدران من أسمنت وطوب وحائط يعلوه سقف، بل هو يمثل للأسر الشعور بالأمان وراحة البال، فضلا عن سنوات من الذكريات الأسرية الجميلة التي تجسد ارتباط الأسرة ببعضها وكذلك بالمكان الذي ولدت وعاشت فيه.
لكن بعض أصحاب العقارات تغيب عنهم هذه الحقيقة عندما يسيطر عليهم بريق الكسب المادي على المبادئ والقيم الإنسانية، فيصبح المستأجر أو المشتري قبل أن يوثق عقده من المالك السابق قبل البيع في نظر المالك الجديد رقم أو عبء لابد من التخلص منه في أقرب وقت، فيلجأ إلى القضاء الذي يعمل على تطبيق القانون استنادا إلى الأدلة المادية التي يقدمها من مبدأ أحقيته في الحصول على ملكه وطلب الاستعجال في التنفيذ دون النظر إلى ما سوف تؤول إليه الأمور حال المتضرر الأضعف من ذلك نتيجة هذا الاستعجال، من حيث البحث عن مأوى بديل ونقل الأغراض عوضا عن تأثير العامل النفسي وكذلك الضرر المادي.
بطبيعة الحال هناك العديد من الحالات أصبحت ضحايا هذا الجشع المادي، حيث إنك تجد أسرة على سبيل المثال بعد سنوات من الإقامة تقع بين مالك سابق باعها شقق فتراكمت عليه الديون فعجز عن تثبيت ملكيتها في العقار الذي اشترته ودفعت قيمته، وبين مالك جديد اشترى العقار بعد أن عرضه البنك للبيع، وركز الأخير على الجانب المادي على الرغم من معرفته بالظلم الذي وقع على تلك الأسرة من خلال ما لديها من عقود شراء للشقق، فأصر على مطالبتها بدفع إيجار وعندما لم تستجب لدعوته قطع عنها الماء متجاوزا كل معنى الإنسانية لولا إدراكه بأن ذلك خطأ قانونيا لا يتم إلا بحكم قضائي، فالأسرة كانت تعوّل على المالك السابق أن يعالج هذا الأمر مع المالك الجديد سواء بشراء الشقق او استئجارها، إلا أن ذلك لم يحدث إلى أن وجدت نفسها مهددة بالطرد بقرار من المحكمة بالإخلاء، فاستجابت لأمر الإخلاء دون أن يكون لديها مكان بدي.
من المؤسف حقا أن تكون هناك مثل هذه الحالات في مجتمعنا العماني الذي عرف عنه الرحمة، يُستعجل فيها بطرد الأسر من مساكنها دون النظر لأوضاعها الاجتماعية أو منحها الوقت الكافي لإيجاد بديل مناسب، حيث إن الانتقال من منزل إلى آخر ليس أمراً سهلا، نعم المالك له الحق في الاستفادة من ملكه والحفاظ على حقوقه، لكن هناك مجموعة قيم أصيلة يجب أن تكون حاضرة تتمثل في الرحمة والتسامح والمروءة يفترض أن تكون حاضرة في تعاملاتنا الإنسانية، فالمواقف الإنسانية دائما ما تترك أثراً طيباً يبقى عالقا في نفوس الناس، والمجتمعات إذا ما أرادت أن تكون اكثر تماسكا لا يكون ذلك بالقوانين فقط وإنما بالتكافل والتسامح والتراحم والأخلاق التي حث عليها ديننا الحنيف.
ولذلك لا يجب أن يطغى الجشع المادي على الضمير الإنساني ويتسبب في تشتيت وعدم استقرار الأسر، وقد قيل إن المروءة لا تنتقص من الحقوق بل تزيد أصحابها احتراما وتقديرا، فالإنسان ربما ينسى تفاصيل العقود إلا أنه سيبقى عالقا في ذاكرته من وقف معه في شدته وصبر عليه في حاجته.
