أحمد الجلنداني – شؤون وطنية
المضحك في الأمر أن هذا السائق باللهجة العمانية (باعني) بمجرد اقتراب امرأة مسنة طلبت منه أن يقلها لمكان ما، إذ طلب مني مباشرة أن أنزل حقيبتي بحجة أنه لا يعرف موقع الفندق تحديدا فأنزلتها لأبحث عن (تكتوك آخر)، وهنا قدمت امرأة مسنة أخرى وثالثة في منتصف العمر توافق أن وجهتهن هي وجهة المرأة المسنة الأولى وركبن التكتوك وعندما هممت بالانصراف تفاجأت بموقفهن الإنساني الغريب وهو عدم تركي وحيدا وسألن السائق عن سبب إنزاله لي فأخبرهن السبب فأصررن على اصطحابي ومساعدتي في الحصول على فندقي وتكفلن بالبحث عنه، ومحاولة الاتصال على أرقام الفندق التي وجدناها على الإنترنت بعد أن خذلنا الرقم المذكور في عنوان الفندق على موقع الحجز .
وبعد عدة محاولات فاشلة أخبرن السائق أن يقلهن إلى مكان نزولهن، وعرضت علي أصغرهن سنا استضافتي في بيتها حتى رجوع زوجها من العمل ليساعدني في البحث عن الفندق المذكور فاعتذرت بلطف، وفي أثناء ذاك وصل زوجها على دراجته النارية بمعية ابنته حيث أخبرته زوجته بالقصة فطلب منها إحضار مشروب لي، وحاولنا أنا وهو وهي مجددا أن نتواصل هاتفيا بالفندق دون جدوى واقترحا علي وقتها الغاء الحجز وحجز أحد الفنادق الأخرى المعروفة، وفعلا اختار لي هو وزوجته فندقا معينا لحسن الحظ أن السائق كان على معرفة أو عرف عنوانه منهما، فشكرت الجميع على لطفهم ومساعدتهم لي وانصرفنا أنا والسائق بحثا عن الفندق الجديد .
وصلنا سريعا إلى الفندق المذكور وكان على ما يبدو فندقا جيدا ومناسبا إلا أنني تفاجأت باعتذاره عن استقبالي لأني لست مواطنا هنديا! وسألنا في محاولة أخيرة بعض المتجمهرين بجوار الفندق عن الفندق الأول فوصفوا المكان لسائق (التكتوك)، وذهبنا إليه حيث كان الحظ حليفنا من جهة عثورنا على الفندق، وعدونا من جهة مرة أخرى؛ إذ فاجأني موظف الاستقبال بأن الفندق مملوء بأكمله رغم حجزي السابق المؤكد ، ومن جهة ثالثة عدم اخطاري برسالة بهذا المستجد فاستشطت غضبا وهددت الموظف بنيتي تقديم شكوى (لتطبيق بوكنج) على الفندق لهذه المعاملة التي لا تليق بالزبائن وهو ما أربكه واعتذر مخبرا إياي أن هناك فندقا قريبا يتبع الشركة نفسها، وهاتفهم ليتأكد من توفر غرفة شاغرة فأكدوا له ذلك، وانصرفنا بعد أن زودنا بعنوان الفندق .
كان الفندق البديل متواضعا إلى حد ما ولكن ما كان يهمني وقتها أنا المنهك من الرحلة والبحث عن الفندق السابق هو توفر غرفة مكيفة، وبعد الفندق عن ضوضاء الشارع وهو ما يتميز به هذا الفندق الغريب إن صح الوصف لما تفاجأت به لاحقا .
هذا الفندق كان غريبا في طريقة بنائه؛ فممرات طوابقه العليا مفتوحة من الوسط ،تطل منها وتسمع الأصوات، اذا نادى أحد على أحدن فضلا عن وجود رجل غريب الهيئة كث الشعر يعمل هناك، وله فيه غرفة يقيم فيها لعمله الدائم في الفندق أو لامتلاكه إياه تقريبا واتخاذه مسكنا، بينما يعمل إبنه الذي بخلاف أبيه يذهب لمنزله بعد نهاية يوم عمله؛ في الاستقبال الذي كان محلا لتصليح الهواتف النقالة أيضا !
كان هذا الرجل رغم غرابته بخلوه من الملابس إلا ما يواري سوءته وصراخه أغلب الوقت؛ أيقونة الفندق بحق لتفانيه في خدمة نزلائه في أي وقت . ومن غرابة الفندق كذلك أن مكتب الاستقبال فيه يغلق في الساعة الثامنة ليلا تقريبا، بل يقفل أبواب الدخول إلى الفندق لنزلاء الفندق بأكمله في الساعة العاشرة ليلا وعلى الراغب في الدخول الانتظار لحين نزول هذا الرجل بعد رنين الجرس الموجود لحسن الحظ .
أما أغرب ما في الفندق وأعجبه فهو ذلك الصراخ المكتوم الذي ملأ أرجاء الفندق فجرا ما جعل النزلاء كأمثالي في حالة استغراب وترقب لأي طارئ، لكن سرعان ما هدأ الأمر واضطرني موعد طائرتي إلى نيودلهي للمغادرة المبكرة من الفندق حيث فتحت بنفسي أبوابه الموصدة برفق دون إخطار موظفي الاستقبال – لعدم وجود أحد ما – عدا صرخة خفيفة مني لذلك الرجل الذي أجابها بصرخة مماثلة فهمت منها كلمة “توراه” الهندية فلم أنتظره لاني قد دفعت الأجرة مباشرة وقت وصولي، فضلا أني قد أخبرته سابقا هو وابنه بانصرافي في وقت مبكر.
تبقى لي ليليومان بوصولي إلى نيودلهي قضيتهن في زيارة الأسواق وتبضع بعض الهدايا والمستلزمات والاستمتاع بالوجبات الهندية المختلفة وأنواع الحلويات والمحليات كالكولفي والجالبي، ثم كانت رحلة العودة الى الحبيبة عمان بعد رحلة الهند الجميلة التي امتدت لأسبوعين كنت فيها بصحبة الجمال منذ بدايتها حتى نهايتها وأنا أجوب مدنها الحدودية وعاصمتها، أتشبع من جمالها الذي يحيط المسافر أينما سار وارتحل فيها رغم صورتها المشوهة للأسف لدى بعضهم الذي يجهل هذا الجمال والتنوع السياحي المثير الذي تتميز به هذه الدولة القارية باتساعها والمليارية بعدد سكانها التي وصفها العمري في كتابه مسالك الابصار في ممالك الامصار بأنها “مملكة عظيمة الشأن لا تقاس في الأرض بمملكة سواها لاتساع أقطارها .. الخ” .
