الحبيب سالم المشهور
تابعتُ باهتمام إعلان «خطة مسقط» التي أطلقها معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري، وزير الأوقاف والشؤون الدينية، من مقر الأمم المتحدة، وما أعقبها من حوارات ومداولات حول مضامينها وأهدافها. وقد شعرتُ بالفخر وأنا أرى بلادي عُمان تواصل أداء دورها الحضاري في تعزيز السلم والتفاهم بين الشعوب، مقدمةً للعالم رؤية تنطلق من قيم الحوار والتعايش واحترام التنوع الإنساني.
غير أن أهمية خطة مسقط لا تكمن في رسالتها العالمية فحسب، بل في السؤال الذي تطرحه علينا نحن العمانيين: كيف نحول هذه المبادئ والقيم إلى مشروع وطني متجدد، يتجاوز حدود المؤتمرات والوثائق ليصبح جزءًا من ثقافتنا ومؤسساتنا وحياتنا اليومية؟
حين أطلقت سلطنة عُمان «خطة مسقط» لتعزيز دور القيادات الدينية والتقليدية في بناء السلام وتعزيز التفاهم الإنساني، لم تكن تقدم للعالم مجرد وثيقة جديدة تُضاف إلى أرشيف المبادرات الدولية، بل كانت تقدم خبرة عمانية تراكمت عبر عقود طويلة من التعايش والاعتدال والقدرة على بناء الجسور بين المختلفين.
ومع ذلك أظن أن قيمة أي خطة لا تكمن في نصوصها وأهدافها المعلنة فحسب، بل في قدرتها على التحول إلى برامج ومؤسسات وممارسات يومية تترك أثرها في المجتمع. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن أن نجعل من أفكار خطة مسقط برنامج عمل كبيرًا داخل عُمان نفسها؟
ولكي أكون صريحًا، أجد أننا ما زلنا نركز في مشاريع التعايش والتسامح على تصديرها إلى الخارج، ونغفل أحيانًا عن حاجتنا إلى ترسيخها في الداخل، فشبابنا اليوم ليسوا بمعزل عن المؤثرات الخارجية، والاستثمار في وعيهم وقدرتهم على إدارة الاختلاف أولوية وطنية لا تقل أهمية عن تقديم هذه التجربة للعالم، وربما هذا ما لا نقوله بصوت عالٍ.
ويظهر ذلك أيضًا في بعض الجدل الذي رافق زيارة سادغورو إلى عُمان، حيث كشفت تباينات المواقف عن حساسية عالية تجاه الاختلاف في الفضاء العام، وكأننا ما زلنا نتلمس طريقة التعامل مع هذا النوع من الحضور المختلف!
ولعل من المفيد هنا التذكير بأن بعض المشاريع الفكرية والثقافية السابقة، مثل مجلة التفاهم وندوة تطور العلوم الفقهية، رغم أهميتها، لم تحظَ دائمًا بالحضور الداخلي الكافي أو بالتراكم الذي يجعل أثرها ممتدًا في الوعي العام، وهو ما يعيد طرح السؤال حول كيفية تحويل المبادرات إلى ممارسة اجتماعية مستمرة لا إلى مناسبات عابرة.
إذا أُريد لهذه الخطة أن تتجاوز بعدها الرمزي، فلا بد أن تتحول إلى مسارات عملية: حضورها في التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمعية، من خلال برامج تعزز ثقافة الحوار وإدارة الاختلاف، وتُعدّ أجيالًا قادرة على التعامل مع التنوع بوصفه مصدر قوة وإثراء للمجتمع.
وأحيانًا يخطر ببالي أن تعليم إدارة الاختلاف وقيم التعايش لا يقل أهمية عن كثير من المعارف التي نتلقاها في مقاعد الدراسة.
ولعل من المفيد كذلك أن تتوسع الخطة داخل المجتمع العماني لتشمل حوارات وطنية حول قضايا الاختلاف المذهبي والفكري والثقافي، ليس من أجل إلغاء هذه الاختلافات، وإنما من أجل إدارتها ضمن إطار المواطنة الجامعة والاحترام المتبادل. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التنوع، بل في القدرة على تحويله إلى مصدر إثراء وقوة بدل أن يصبح سببًا للانقسام والتنازع.
وربما يكون الطموح الأكبر هو أن تتحول عُمان إلى مختبر لقيم خطة مسقط؛ ليس عبر الشعارات، بل عبر التجربة الواقعية. فعندما يرى العالم مجتمعًا قادرًا على إدارة تنوعه الداخلي، ومؤسسات تُعلي من قيمة الإنسان، وشبابًا يمتلكون أدوات الحوار والتفاهم، فإن الخطة ستتحول من وثيقة إلى نموذج يحتذى، وقد أكون مبالغًا هنا قليلًا، لكن هذا الطموح يظل في تقديري هو الأهم.
لقد نجحت عُمان عبر تاريخها في تقديم صورة مختلفة عن المنطقة، صورة تقوم على الحكمة والاعتدال وبناء الجسور، وخطة مسقط تمثل فرصة جديدة لترجمة هذا الإرث إلى مشروع مستقبلي.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: ما الذي تتضمنه الخطة؟ بل: كيف نجعلها جزءًا من حياتنا اليومية؟
فالأفكار العظيمة لا تعيش بالنصوص، وإنما تعيش حين تتحول إلى سلوك وممارسة، حتى لو كان ذلك ببطء وهدوء، بعيدًا عن الضجيج.
