أحمد بن حسن بن إبراهيم البحراني
يمثل المرسوم السلطاني رقم ٦٤ / ٢٠٢٦ بإصدار قانون مؤسسات المجتمع المدني محطة تشريعية مهمة في مسيرة تنظيم العمل الأهلي والتطوعي في سلطنة عمان، إذ جاء ليحل محل قانون الجمعيات الأهلية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ١٤ / ٢٠٠٠ بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما من تطبيقه. ويعكس هذا التحول التشريعي إدراك المشرع العماني لما شهدته مؤسسات المجتمع المدني من تطور نوعي خلال العقود الماضية، سواء من حيث تعدد أشكالها القانونية أو تنوع أدوارها الاجتماعية والتنموية أو اتساع نطاق تأثيرها في المجتمع.
ومن الملاحظ أن المشرع لم يكتف بتعديل بعض أحكام القانون السابق، وإنما اتجه إلى إعادة بناء الإطار التشريعي المنظم لهذا القطاع بصورة أكثر شمولا واتساعا. فقد انتقل من مفهوم “الجمعيات الأهلية” بوصفه الإطار الرئيس للعمل الأهلي إلى مفهوم أشمل هو “مؤسسات المجتمع المدني”، وهو مفهوم يستوعب الجمعيات الأهلية والمؤسسات الأهلية والأندية الاجتماعية والفرق التطوعية وغيرها من الكيانات غير الهادفة إلى الربح التي تسعى إلى خدمة المجتمع وتحقيق التنمية.
ويكشف القانون الجديد عن توجه تشريعي واضح نحو تعزيز مبدأ التنظيم المؤسسي والحوكمة والإفصاح المالي، حيث وضع قواعد أكثر تفصيلا بشأن إدارة المؤسسات المدنية ومصادر تمويلها وآليات الرقابة عليها، كما أولى عناية خاصة بمسائل الشفافية والإفصاح عن الموارد المالية ونشر الحسابات الختامية وتحديث البيانات بصورة دورية. ويبدو من خلال هذه الأحكام أن المشرع أراد الانتقال بمؤسسات المجتمع المدني من مرحلة العمل الأهلي التقليدي إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم القائم على قواعد الإدارة الحديثة والمساءلة المالية.
كما استحدث القانون أنواعا جديدة من الكيانات القانونية لم تكن منظمة بهذا الوضوح في التشريع السابق، وفي مقدمتها المؤسسات الأهلية التي تقوم على تخصيص أموال كبيرة لخدمة المجتمع، والفرق التطوعية التي أصبحت تخضع لتنظيم قانوني متكامل بعد أن كانت تمارس نشاطها في إطار تنظيمي محدود. ويعكس ذلك رغبة المشرع في استيعاب مختلف صور المبادرات المجتمعية ضمن إطار قانوني واحد يضمن وضوح الحقوق والالتزامات وسلامة الممارسة.
ومن الجوانب البارزة في القانون أيضا التوسع في منح بعض المزايا والحوافز لمؤسسات المجتمع المدني، ومنها الإعفاءات والامتيازات المالية والإدارية التي تساعدها على أداء رسالتها الاجتماعية، وذلك بالتوازي مع فرض التزامات أكثر دقة فيما يتعلق بالإدارة والتمويل والرقابة. ومن ثم فإن القانون يقوم على معادلة متوازنة تجمع بين دعم مؤسسات المجتمع المدني وتمكينها من أداء دورها التنموي من جهة، وضمان خضوعها للرقابة والشفافية والمساءلة من جهة أخرى.
ويلاحظ كذلك أن المشرع قد اتجه إلى تشديد السياسة العقابية مقارنة بالقانون الملغى، إذ تضمن القانون الجديد مجموعة من العقوبات والجزاءات الإدارية والجنائية التي تستهدف حماية أموال مؤسسات المجتمع المدني وضمان عدم استغلالها في أغراض تخالف أهدافها أو تتعارض مع النظام العام أو أحكام القانون. ويعكس هذا الاتجاه إدراك المشرع لما قد يترتب على إساءة استخدام هذه المؤسسات من آثار اجتماعية واقتصادية وقانونية تتجاوز نطاق أعضائها إلى المجتمع بأسره.
ومن الناحية التشريعية يمكن القول إن قانون مؤسسات المجتمع المدني لا يمثل مجرد قانون لتنظيم الجمعيات الأهلية، وإنما يشكل إطارا قانونيا متكاملا لتنظيم القطاع الأهلي والتطوعي والخيري في سلطنة عمان، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على العمل المؤسسي والاستدامة المالية والحوكمة والشفافية. ومن ثم فإن فهم هذا القانون لا يقتصر على قراءة نصوصه فحسب، وإنما يتطلب الوقوف على فلسفته التشريعية وأهدافه العامة والآثار العملية المترتبة على تطبيقه، وهو ما تسعى هذه القراءات القانونية المتتابعة إلى بيانه وتحليله من خلال دراسة أحكامه المختلفة ومقارنتها بالتشريع السابق واستجلاء ما تثيره من مسائل قانونية وعملية جديرة بالبحث والنقاش.

