مطر بن سالم الريامي
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحولاً رقمياً متسارعاً أدى إلى اندماج التقنيات الذكية في مختلف جوانب الحياة، وأصبح الطلبة يقضون جزءاً كبيراً من أوقاتهم أمام الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والبيئات الافتراضية، ورغم ما توفره هذه التقنيات من فرص تعليمية ومعرفية واسعة، إلا أنها أفرزت ظاهرة متنامية تتمثل في “العزلة الرقمية”، والتي بدأت تنعكس بصورة مباشرة على الصحة النفسية والاجتماعية للطلبة ومستويات دافعيتهم نحو التعلم والإنجاز ، فمع ازدياد الوقت الذي يقضيه الطلبة في العالم الرقمي بدأت تظهر أنماط جديدة من الانفصال الاجتماعي والنفسي، تتمثل في تراجع التفاعل المباشر وضعف العلاقات الإنسانية، وانخفاض المشاركة في الأنشطة الواقعية، مقابل ارتفاع معدلات الانخراط في البيئات الرقمية.
وتزداد أهمية هذه القضية عندما ترتبط بأحد أهم محددات النجاح التعليمي وهو الدافعية نحو التعلم ، فالدافعية تمثل القوة المحركة للسلوك الإنساني، وهي التي تدفع الطالب إلى المشاركة والإنجاز والمثابرة وتحمل المسؤولية ، وتشير العديد من الدراسات التربوية والنفسية الحديثة إلى وجود ارتباط متزايد بين بعض أنماط الاستخدام الرقمي المفرط وبين انخفاض مستويات الدافعية والانتماء المدرسي والتركيز الأكاديمي، الأمر الذي يستدعي قراءة أكثر عمقاً لهذه العلاقة في ضوء التحولات التكنولوجية الراهنة.
فالعزلة الرقمية هنا لا تعني مجرد استخدام الأجهزة الإلكترونية لفترات طويلة فحسب ، وإنما تعني انخفاض التفاعل الإنساني الواقعي نتيجة الانغماس المفرط في العالم الرقمي بحيث يصبح حينها الطالب منفصل اجتماعياً ونفسياً عن محيطه الحقيقي ، ومن مظاهرها ضعف التواصل الأسري وقلة المشاركة في الأنشطة المدرسية، وتراجع العلاقات الاجتماعية المباشرة، والانشغال المستمر بالأجهزة الذكية، والميل إلى الانفراد لفترات طويلة.
أما عن تأثير العزلة الرقمية فإنها قد تؤثر في دافعية الطلبة من خلال الإشباع الفوري مقابل الإنجاز طويل المدى حيث يعتاد الدماغ على المكافآت السريعة، فيصبح أقل استعداداً لبذل الجهد في المهام التعليمية طويلة الأمد ، كذلك يظهر بشكل واضح ضعف الشعور بالانتماء المدرسي حيث تشير الدراسات التربوية إلى أن شعور الطالب بالانتماء للمدرسة من أهم مصادر الدافعية ، لكن عندما يصبح معظم تفاعل الطالب داخل العالم الرقمي تضعف علاقته بالمدرسة، ويقل ارتباطه بالأنشطة، ويتراجع شعوره بأهمية الإنجاز الأكاديمي ، ومن آثار العزلة الرقمية أيضا يمكن الحديث عن المقارنات الاجتماعية السلبية حيث يتعرض الطلبة يومياً لصور مثالية وغير واقعية عبر وسائل التواصل ، فينشأ لديهم شعور بأن الآخرين أكثر نجاحاً، و الآخرين أكثر جمالاً، و الآخرين أكثر شعبية و ضعف الثقة بالنفس مما يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، ، وتراجع الحافزية للإنجاز، كذلك يظهر أثر العزلة الرقمية في اضطرابات النوم والتركيز ، وذلك من الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية الذي قد يؤدي إلى التأخير في النوم ، و قلة ساعات الراحة ، و ضعف التركيز ، والإرهاق الذهني ، وكلها عوامل ترتبط مباشرة بانخفاض الدافعية للتعلم ، كذلك تظهر أثر هذه العزلة أيضا في تراجع المهارات الاجتماعية من خلال التفاعل الإنساني الحقيقي الذي في الأصل ينمي الحوار والتعاون وحل المشكلات والقيادة مما يجعل الطالب أقل مشاركة في المواقف التعليمية والاجتماعية.
ومن المهم الإشارة إلى أنه قد أصبح موضوع العزلة الرقمية أكثر خطورة مع الذكاء الاصطناعي ، ففي السابق كان الطالب يستهلك المحتوى فقط أما اليوم فإن الذكاء الاصطناعي أصبح يجيب عن الأسئلة ويكتب التقارير ويحل بعض الواجبات ويقدم التوصيات، مما قد يؤدي لدى بعض الطلبة إلى الاعتقاد بأن “الآلة تستطيع القيام بالمهمة بدلاً منه “وهنا يظهر خطر فقدان المبادرة والاجتهاد الشخصي إذا لم يتم توجيه استخدام التقنية بصورة صحيحة ، في المقابل لم يعد دور المدرسة يقتصر على التحصيل الأكاديمي فقط، بل أصبح مطلوباً منها بناء الانتماء من خلال الأنشطة والمبادرات الجماعية وتعزيز العلاقات الإنسانية بين الطلبة والمعلمين وتنمية المرونة النفسية لمواجهة الضغوط الرقمية وتعليم الاستخدام الواعي للتقنية بدلاً من المنع الكامل أو الاستخدام غير المنضبط.
ختاما من المتوقع أن يتحول موضوع العزلة الرقمية خلال السنوات القادمة من مجرد قضية تقنية إلى قضية تربوية ونفسية واستراتيجية، ولذلك فإن نجاح المؤسسات التعليمية لن يقاس فقط بمدى توظيفها للتكنولوجيا، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والعلاقات الإنسانية الحقيقية ، ولعل التحدي الأكبر أمام القيادات التربوية مستقبلاً هو إعداد جيل قادر على الاستفادة من التقنية دون أن يفقد ارتباطه بذاته ومجتمعه ومدرسته، لأن الإنسان المتصل رقمياً ليس بالضرورة إنساناً متصلاً اجتماعياً أو نفسياً.

