يعقوب الخنبشي
في المجتمعات العربية، لا يأتي الرقيب دائما بوجه السجان، ولا يرتدي عباءة الواعظ، بل قد يتسلل هادئا في هيئة الناس العاديين؛ في نظراتهم، وفي همساتهم، وفي خوفهم المزمن من الشخص المختلف. ولهذا كان الرقيب الاجتماعي أشد فتكا من الرقيب السياسي والرقيب الديني معا، لأنه لا يقف خارج الروح، بل يسكنها، ويحول الإنسان إلى حارس على ذاته، ومن هنا يخشى الكاتب الفكرة قبل أن تولد في اعماقه، ويرتعب من الكلمة قبل أن يسطرها بقلمه حين يضع الرقيب الاجتماعي فوق رأسه.
نعم إن السلطة السياسية تستطيع أن تصادر كتابا من على رف مكتبه تبيعه أو دار نشر تطبعه، لكنها لا تستطيع أن تُصادر المخيلة التي تقعد في عقل الكاتب١ الحر. أما المجتمع، فإنه قادر على اغتيال الفكرة وهي لا تزال جنينا في عقل الكاتب. فالعقوبة الاجتماعية ليست سجنا مؤقتا فقط، بل منفى نفسي طويل وعزلة بطيئة، وتشويه للسمعة، وإعدام رمزي أمام محكمة العرف التي لا تملك قانونا مكتوبا، لكنها تملك سيف النبذ القاطع.
ولهذا يخاف الكاتب العربي من الجماعة أكثر مما يخاف من السلطة. فالسياسي قد يغضب من مقال، ورجل الدين قد يرفض تأويلا معينا، لكن المجتمع قد يحاكم وجود الكاتب كله، ويحول الرأي المختلف معه إلى وصمة أخلاقية لا تغتفر. ومن هنا تتكون المأساة الكبرى، حيث الرقابة لا تحتاج إلى شرطي، لأن الناس أنفسهم يتحولون إلى حراس للعقل الجمعي، يطاردون كل سؤال جديدا كما لو كان خطرا على بقاء العالم.
وقد فهم علي الوردي هذه البنية العميقة حين أشار إلى أن المجتمعات الشرقية تميل إلى تقديس الانسجام الاجتماعي أكثر من تقديس الحقيقة نفسها. لذلك يصبح الاختلاف جريمة ذوقية وأخلاقية قبل أن يكون اختلافا فكريا. فالكاتب في بيئتنا لا يطالب بأن يكون صادقا، بقدر أن يكون مشابها لذات القالب التراثي المرسوم عبر الزمن، وكأن النجاة ليست في امتلاك الوعي، بل في الذوبان داخل الجماعة.
إن الرقيب الاجتماعي لا يمنع الكتب فقط، بل يمنع الشجاعة. إنه يخلق أجيالا تتقن الصمت أكثر مما تتقن التفكير، وتخاف السؤال لأن السؤال قد يهز يقين الجماعة الهش. وهكذا تتحول الثقافة إلى مرآة عاكسة لما يريده المجتمع ليغدو الإبداع فعلا محفوفا بالخسارة.
فما يقتل التقدم ليس الفقر وحده، بل خوف العقول من الضوء. وحين يصبح الإنسان خائفا من التعبير عن ذاته، يتحول الوطن كله إلى غرفة واسعة مليئة بالأصوات الصامتة، حيث يعيش الجميع أحرارا في الظاهر، لكن أرواحهم تقبع داخل أقفاص لا ترى.

