محمد بن عيسى البلوشي- إعلامي متخصص في الشؤون الاقتصادية
تتطلع النظم الإدارية الحديثة إلى تحقيق أقصى درجات الكفاءة التشغيلية والتميز المؤسسي، حيث لم يعد العنصر البشري مجرد مورد تنفيذي، بل ركيزة أساسية في تشكيل الهوية المؤسسية وبناء انطباعات المستفيدين. وفي سياق السعي الوطني نحو تجويد الأداء الحكومي والخاص، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة آليات “توطين التميز السلوكي والمهني” للمنتسبين الجدد قبل انخراطهم الفعلي في بيئات العمل، بما يضمن مواءمة مخرجات التوظيف مع التطلعات الإستراتيجية للدولة.
وتقدم المنظومة الأمنية والعسكرية في سلطنة عُمان نموذجاً مرجعياً متميزاً وحاسماً في هذا الصدد؛ إذ يخضع المنتسب المستجد بانتظام لمنهجية صارمة من التأهيل المقرون بالتوظيف، تشمل جوانب السلوك الإداري، والانضباط، وضبط النفس، والمسؤولية الوطنية. هذا الإعداد المسبق لا يقتصر على بناء المهارات الفنية فحسب، بل يمتد لصياغة الشخصية المهنية القادرة على تمثيل المؤسسة بأعلى درجات الرقي والاحترافية، حتى في أدق التفاصيل التشغيلية كاستقصاء مدى رضا المستفيد، مما يرسخ صورة ذهنية قوامها الانضباط والموثوقية.
في المقابل، يرصد الواقع الإداري في بعض القطاعات المدنية (العامة والخاصة) فجوات سلوكية وإجرائية في مهارات التواصل وخدمة المراجعين، حيث تغيب أحياناً الجاهزية النفسية والمهنية لدى بعض الموظفين الجدد في خطوط المواجهة الأولى. وعلى الرغم من أن بعض المواقف السلبية قد تبدو فردية ولا تعكس الجودة الإجمالية للعمل، إلا أنها تكشف عن غياب “المعايير الموحدة للسلوك المهني المتوقع”، مما يؤثر سلباً على جودة الخدمة وسمعة المؤسسة.
ومن هذا المنطلق، بات من الضروري إستراتيجياً قيام وزارة العمل بتبني مبادرة وطنية موازية لتنفيذ برنامج “تأهيل الموظف قبل التعيين”. وتستهدف هذه المبادرة الكوادر المدنية التي اجتازت الاختبارات التحريرية والفنية والمقابلات الشخصية بنجاح، ليتم إلحاقها ببرنامج مكثف يعنى بالإعداد الإداري والنفسي والسلوكي قبل تسلم مهام العمل الفنية.
ويمثل إسناد هذا المشروع الإسترايجي النموذجي إلى الأكاديمية السلطانية للإدارة خطوة جوهرية تضمن نجاحه؛ نظراً لما تمتلكه الأكاديمية من خبرات تراكمية ومناهج متطورة في صناعة القيادات وتطوير الفكر الإداري الحديث. إن هذا المسار الكفيل بصياغة منهجية عمل موحدة، سيثمر عن ولادة جيل إداري أكثر اتزاناً، وانضباطاً، ومسؤولية في أداء واجبه الوطني، ويسهم في نقلة نوعية تشمل القطاعين العام والخاص على حد سواء.
إن ثقتنا كبيرة في مجلس الوزراء الموقر لدعم مثل هذه المبادرات الإدارية التطويرية وتبنيها، لاسيما وأنها تشكل ركيزة أساسية لمنهجية العمل في المرحلة المقبلة. إن الاستثمار في “أنسنة المعاملة وتجويد السلوك الإداري” هو الاستثمار الحقيقي الذي يضمن تحويل الرؤى الإستراتيجية إلى واقع ملموس يعزز من تنافسية الدولة، ويرفع كفاءة مؤسساتها إلى مستويات رائدة تعكس عمق وجدية البناء المؤسسي الحديث.

