وسائل إعلام- شؤون وطنية
كشفت دراسة دولية حديثة أن تغيّر المناخ قد يكون أحد العوامل المهمة التي تسرّع انتشار مقاومة المضادات الحيوية حول العالم، وهي المشكلة التي تُعد من أخطر التهديدات الصحية في القرن الحادي والعشرين. وقد توصل الباحثون إلى هذه النتيجة بعد تحليل أكثر من 480 ألف عينة بكتيرية جُمعت من 139 دولة، في واحدة من أكبر الدراسات التي تناولت العلاقة بين التغيرات المناخية وقدرة البكتيريا على مقاومة الأدوية المستخدمة لعلاجها.
وأظهرت الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية يرتبط بزيادة انتشار الجينات المسؤولة عن مقاومة المضادات الحيوية داخل البكتيريا. فكلما ارتفعت درجات الحرارة وتكررت موجات الحر والظروف المناخية القاسية، ازدادت قدرة بعض أنواع البكتيريا على اكتساب وتبادل الجينات المقاومة للأدوية، ما يجعل علاج العديد من الأمراض البكتيرية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وأوضح الباحثون أن البيئة الدافئة تساعد البكتيريا على النمو والتكاثر بمعدلات أسرع، كما تهيئ ظروفاً أفضل لانتقال الجينات المقاومة بين السلالات المختلفة. ويؤدي ذلك إلى ظهور سلالات جديدة يصعب القضاء عليها باستخدام المضادات الحيوية التقليدية. ولا يقتصر الأمر على المستشفيات والمراكز الصحية، بل يمتد إلى التربة والمياه والأنظمة البيئية المختلفة، حيث يمكن للبكتيريا المقاومة أن تنتشر على نطاق واسع.
كما أشارت الدراسة إلى أن الظواهر المناخية المتطرفة، مثل الفيضانات والعواصف وارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة، قد تسهم في نشر البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية بين المجتمعات البشرية. فالفيضانات على سبيل المثال قد تؤدي إلى اختلاط مياه الصرف الصحي بمصادر المياه المستخدمة للشرب أو الزراعة، ما يتيح انتقال البكتيريا المقاومة إلى أعداد أكبر من الناس.
وحذر الباحثون من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية قد يؤدي إلى زيادة العبء الصحي والاقتصادي الناتج عن العدوى المقاومة للعلاج. وتشير تقديرات دولية إلى أن مقاومة المضادات الحيوية تتسبب بالفعل في ملايين الوفيات سنوياً بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومن المتوقع أن يتفاقم الوضع إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة للحد من تغير المناخ وتحسين استخدام المضادات الحيوية.
وأكدت الدراسة أن مواجهة هذه المشكلة تتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين السياسات البيئية والصحية، بما في ذلك خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وتحسين أنظمة الصرف الصحي، وتعزيز مراقبة العدوى، والحد من الاستخدام المفرط وغير الضروري للمضادات الحيوية في الطب البشري والبيطري والزراعة.
ويرى العلماء أن نتائج الدراسة تمثل دليلاً إضافياً على أن آثار تغير المناخ لا تقتصر على الظواهر الجوية والكوارث الطبيعية، بل تمتد أيضاً إلى تهديد فعالية الأدوية التي يعتمد عليها الطب الحديث في مكافحة الأمراض المعدية، ما يجعل مقاومة المضادات الحيوية أزمة صحية وبيئية عالمية مترابطة تتطلب تعاوناً دولياً عاجلاً.
