بدر بن سالم العبري
مجلّة الوحي العمانيّة الصّادرة عن وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة حينها بسلطنة عُمان، نموذج للذّاكرة الّتي تعيش تفاعلات تطوّر تلك المرحلة، وقد صدر العدد الأول مع العيد الوطنيّ العمانيّ الخامس في 13 ذي القعدة 1395هـ/ 18 نوفمبر 1975م، وكانت أول صفحة من عددها الأول تضمنت توجيهات للحجّاج من قبل البعثة العمانيّة حينها، وقد تشكلت أول بعثة للحجّ عام 1392هـ/ 1972م، تضمّنت التّالي: “التّأكد من صلاحية جوازك. التّأكد من أنّك تحصلّت على التّحصينات الطّبيّة المطلوبة وشهادة التّطعيم الدّوليّة. الحفاظ على الهويّة الشّخصيّة الّتي تعطى لك من وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة. مراعات [مراعاة] أخذ ما يلزمك أثناء سفرك إلى الحجّ من النّقود والّتي لا تقل عن مائتين ريالا عمانيّا كحدّ أدنى لمتطلباتك في سفرك. إبراز الهويّة الشّخصيّة لرجال الأمن عند نقطة المغادرة. المبادرة فورا لتسجيل اسمك لدى بعثتك واتّصالك بها باستمرار لكي تتحصل على المساعدة والإسعاف سواء بمكّة المكرمة أو بالمدينة المنورة. يرجى التّقيّد بأنظمة البعثة والحفاظ على كرامتك وحريّة، وطنك وترك الفوضى في تلك الأراضي المقدّسة. إنّ جميع البعثات الطّبيّة المتواجدة [الموجودة] في الأراضي المقدّسة هي لخدمة الحجّاج؛ فيرجى التّواصل إليها حالا عندما يتطلّب أحد للعلاج. عند عودتك الى وطنك وشعورك بأيّ مرض فيرجى الاتّصال بأقرب مستشفى أو مركز صحي”.
المقارنة بين حجّ 1375هـ وحجّ 1447هـ الفارق بينهما كبير جدّا، فالحجّ اليوم بشكل عام معقّد في تنظيمه لكثرة العدد، وسهولة الوصول من دول العالم، ومرتفع سعره، ومقنّن الكترونيّا. وكان يومها العدد مفتوح، وسهل التّسجيل للذّهاب؛ إلّا أنّ الحاجّ قليل، وأغلبهم من الرّجال وكبار السّنّ، وقلّ من يحجّ من النّساء والشّباب. كما أنّ أغلب من يذهب حينها يذهب برّا أو بحرا، ونادرا من يذهب جوّا، ثمّ أصبح الأغلب برّا، واليوم أغلب من يذهب جوّا. وكان الطّريق يحتاج إلى أكثر من ثلاثة أيام، يحملون الغاز وأدوات الطّبخ معهم، وينامون في الطّريق، وعادة يذهبون عن طريق حافلات صغيرة، وكانت التّكلفة بسيطة؛ لأنّهم يشتركون في طبخهم، ولا يحتاجون إلى المطاعم، ويحملون معهم التّمور والسّمك المجفّف والخبز، وأماكن السّكن في مكّة مجانيّة، عادة يسكن العمانيّون في شارع خالد بن الوليد حيث وقف بيت الرّباط، ويتجمّعون عند باب العمرة في الحرم حتّى وقت قريب، ثمّ لمّا سكنت البعثة في منطقة ملاوي كان أغلب العمانيّين يسكنون فيها، ولا زالت عقبة ملاوي حاضرة في أذهانهم، ولها ذكرياتها في وجدانهم.
وفي العدد الثّاني من الوحي والّذي صادف شهر ذي الحجّة 1395هـ/ 18 ديسمبر 1975م، وكانت افتتاحيّتها: “ودّعت عمان في منتصف الشّهر الماضي عيدها الخامس من عهد النّهضة المبارك، واستقبلت بها السّنة السّادسة بكل فرح وبهجة وسرور …. واليوم ونحن نودع هذه المناسبة نستعدّ لاستقبال أكبر مناسبة في حياة المسلمين، ألا وهي مناسبة ذكرى الرّكن الخامس من أركان ديننا الحنيف حيث تجتمع وفود الله في أرض مقدّسة طاهرة بصدق ونية واحدة، فأين تجد مثل هذه الوحدة، مليون ونصف على نية واحدة”. والمقارنة بين حجّ 1375هـ وحجّ 1447هـ يشير المنشور أنّ عدد الحجّاج حيناها مليون ونصف حاجّ، وهي نسبة تقديريّة قد يكون العدد أقلّ من ذلك بكثير، في حين تشير الإحصاءات أنّ عدد الحجّاج في هذا العام يزيد عن مليوني حاجّ، مع دقة التّسجيل.
كما توثق المجلّة في عددها السّابع والعشرين، في جمادى الأولى والثّانية 1398هـ/ مايو 1978م أول لقاء – تقريبا – مع وزير الحجّ السّعوديّ، وكان حينها الشّيخ عبد الوهاب أحمد عبد السّميع أبّان زيارته للسّلطنة، وكان “من أهداف هذه الزّيارة التّعرّف على ما حقّقته سلطنة عمان من تقدّم وازدهار، ولتحقيق المزيد من التّعاون والتّنسيق بين الوزارتين: الحجّ والأوقاف بالسّعوديّة، والأوقاف والشّؤون الإسلاميّة بعمان فيما يتصل بشؤون الحجّ والاستثمار الموفق في شؤون الأوقاف”، وقد ناقش اللّقاء قضيّة المطوفين، فكان في الأزمنة الغابرة إلزام الحاجّ بمطوف يقوم بعنايته ورعايته أيام الحجّ، إذ لم يكن حينها بعثات، وإنّما أفراد أو أسر ينضمّ إليهم الحجّاج، عملهم في الغالب تطوعيّ، ولخدمة ضيوف البيت الحرام، ثمّ تحولت إلى تجارة واستغلال وابتزاز وتفريق بين الحجّاج من بلد واحد على مطوفين متباينين، فقامت إدارة الحجّ السّعوديّة بتقنين الأمر وتنظيمه، ومحاربة الاستغلال، ثمّ ربطت ذلك ببعثة كلّ دولة، ثمّ تطورت خدمات البعثات، ووسع من صلاحياتها واستقلالها، وأشبهت بسفارة كلّ دولة تمثلها، حتّى تطوّر وضع البعثات حاليا.
كما يشير اللّقاء في محاولة وزارة الحجّ السّعوديّة في محاربة افتراش الطّرقات أيام الحجّ، وإلزام الحجّاج بالسّكنى في المساكن المعدّة كالنّزل والفنادق، بيد أنّ الوضع تأخر علاجه، فحتّى بدايات الألفيّة الثّالثة لا تستطيع المشي من كثرة المفترشين في الطّرقات، وتجد أصحاب العاهات، من المبتورة أياديهم وأرجلهم وأصابعهم، والمكوية رؤوسهم، وغالبهم من السّود، يأتون بهم للتّسول، فضلا عن النّساء والأطفال، ومن الفارين من الحروب في بلدانهم، ومن الّذين يبيعون الطّعام غير الصّحيّ، وغير المرخص. أمّا الآن استطاعت المملكة محاربة ذلك وتنظيم الأمر بشكل أفضل بكثير. بقي النّظر في الاستغلال من جانب آخر فيما يتعلّق بتكاليف الحجّ ذاته، فدفع ألفين ريالا عمانيّا – مثلا – لأقل من عشرة أيام كحدّ أدنى، والحجّ غالبه مشترك؛ أرى فيه مبالغة جدّا، وهذا يعتمد أيضا على شركات الحجّاج في كلّ دولة؛ فينبغي أن يكون الرّبح معقولا، حيث أصبح الحجّ تجارة يبالغ في تحقيق الرّبح فيها.
وكان يعمل في عُمان حينها الشّيخ جابر محمّد مدخليّ (ت: 2007م) كمنتدب للعمل في مع التّوعية الإسلاميّة الّتي كانت تصدرها الأمانة العامّة للتّوعيّة الإسلاميّة السّعوديّة في موسم الحجّ، وقد نشر العديد من المقالات في الوحي. ولا شكّ هناك ذاكرة كبيرة عن الحجّ في عمان لا زالت لم توثق، كما لم توثق ذاكرة العمانيّين ومعايشتهم لتطور إدارة الحجّ في المملكة من جهة، ولتطور إدارة الحجّ في عُمان ذاتها، كما أنّه حتّى الآن – فيما أحفظ – لا يوجد كتاب يوثق ذاكرة البعثة العمانيّة، فضلا عن المفردات الثّقافيّة والاجتماعيّة ما قبل وبعد الرّجوع من الحجّ، وما يرتبط بذلك من ثقافة الأغاني والمطعومات والهدايا وتقاليد التّوديع والاستقبال، وذاكرة العمانيّين في المدينة كمنطقة مسجد بلال، ومكّة كملاوي ووقف بيتي الرّباط، ومخيميّ منى وعرفة وغيرها. هناك ذاكرة كبيرة بذاتها ممكن أن تتحول إلى موسوعة مستقلّة، كتب عنها متناثرات في رحلات ومذكرات ومقالات وأوراق من ندوات أو كتب مطبوعة، لكن أغلب الذّاكرة – خصوصا الشّفوية – نفقدها يوما بعد يوم، لطبيعة الفناء في الدّنيا، فمن يذهب لا يذهب بجسده؛ بل يذهب بتأريخه وذاكرته إن لم تسبق بتدوين أو توثيق، وهذا ما يبقى في الحياة من خلاصة تجارب الإنسان وتدافعه.
