آمنة بنت محمد البلوشي
ayaamq222@gmail.com
في كل مرة أسمع فيها كلمة “الهبطة”، أشعر أن بابًا قديمًا يُفتح في الذاكرة، فتخرج منه أصوات بعيدة وروائح لا تشبه إلا طفولتنا الأولى. وحين أعود بذاكرتي إلى منتصف السبعينيات وبداية الثمانينيات، أرى هبطة ولاية صور كما لو أنها مشهد محفوظ في قلب الزمن، لا تغادره الحياة مهما مرّت السنوات.
كانت الهبطة تبدأ منذ السادس من ذي الحجة، وكأن المدينة كلها تستعد للعيد قبل أن يصل بأيام. نستيقظ نحن أطفال الحارة منذ الصباح الباكر بفرحٍ لا يشبه أي صباح آخر، نحمل في جيوبنا مبالغ بسيطة لا تتجاوز ريالين أو أربعة ريالات، لكنها في أعيننا كانت ثروة حقيقية تكفي لشراء العالم كله.
نجتمع عند أول الحارة، ننتظر جارنا الذي يمتلك سيارة “بيك أب”، ذلك الرجل الذي كان بالنسبة لنا بوابة العبور إلى يومٍ استثنائي. نصعد إلى الخلف متزاحمين، تتعالى ضحكاتنا فوق صوت الطريق، بينما تمضي السيارة بين الناس القادمين من القرى والنيابات المجاورة، وكل واحد منهم يحمل شيئًا من ملامح العيد؛ هذا يقود أغنامه، وذاك يحمل أكياس البهارات، وآخر يجر أبناءه الصغار الذين تتعلق أعينهم بالسوق قبل أن يصلوا إليه.
وحين ندخل الهبطة، كنا نشعر أننا دخلنا عالمًا آخر؛ عالمًا مكتظًا بالألوان والروائح والأصوات. رائحة اللبان والبخور تتداخل مع رائحة الحلوى العُمانية، وأصوات الباعة ترتفع كأنها أناشيد شعبية قديمة، بينما تمتد الأقمشة الملوّنة على أطراف السوق مثل أجنحةٍ كبيرة تستقبل العيد.
لكن أجمل ما كنا نبحث عنه لم يكن الألعاب ولا الملابس، بل العم خليل… الرجل الذي سبق زمنه بفكرته البسيطة والعجيبة في آنٍ واحد. كان يجلس بجانب صندوقه الخشبي الكبير، فيلتف حوله الأطفال بلهفة لا تنتهي. ندفع له مئتي بيسة، ثم نقترب واحدًا تلو الآخر لننظر داخل ذلك الصندوق السحري.
وما إن تلامس أعيننا العدسة الصغيرة حتى تبدأ الرحلة. صور متحركة تمر ببطء، ومدن بعيدة لم نكن نعرف أسماءها، وشوارع مزدحمة، وأناس بملابس غريبة عن عالمنا الصغير. كان العم خليل يأخذنا إلى أماكن لم نرها قط، ويمنح خيالنا أجنحة واسعة دون أن يغادر زاويته البسيطة في السوق. نخرج من عنده وكأننا عدنا فعلًا من سفرٍ طويل، نحكي لبعضنا ما رأيناه وكأننا شهود على عالمٍ سري لا يعرفه الكبار.
ومن بعد العم خليل، تبدأ رحلتنا للبحث عن العم موسى، الرجل الذي كانت يداه تصنعان الحياة من الخشب. نجده جالسًا وسط أدواته البسيطة، تحيط به قطع الخشب والخيوط، بينما تتحول بين أصابعه إلى دمى صغيرة تتحرك كأنها تملك روحًا خفية.
لم يكن العم موسى مجرد صانع دمى، بل كان مخرجًا لمسرحٍ كامل من الخيال. نحمل العرائس الخشبية ونحاول تحريكها بخيوطها الرفيعة، فنضحك حين تتعثر، ونصفق حين تنجح في الانحناء أو الدوران. أما هو، فكان يبتسم بصمت، كأنه يعرف أن دهشتنا الصغيرة أعظم من كل ما يمكن أن يبيعه في ذلك اليوم.
ثم نترك عالم الدمى لنبحث عن ألعابنا الخاصة وحلوياتنا التي كانت تشبه طفولتنا في بساطتها. سكر عُمان… والقشاط… تلك الأسماء التي ما إن تُذكر حتى تعود معها رائحة الأيام القديمة. كانت الحلويات تُصنع بأيدي نساء معروفات في الولاية، نساء اشتهرن بالصبر والمهارة، حتى إننا كأطفال كنا نعرف من صنعت هذا القشاط أو ذاك السكر من أول لقمة.
كانت الحلوى تُباع في أكياس صغيرة، نحملها بحذر وكأنها كنوز، ثم نتقاسمها بيننا ونحن نركض في طرقات الهبطة. لم تكن فرحتنا تحتاج إلى الكثير؛ قطعة حلوى، وبالون صغير، وصوت الناس حولنا… وكان ذلك يكفي ليصنع عيدًا كاملًا داخل أرواحنا.
وحين نعود إلى الحارة مع غروب الشمس، تبدأ فرحتنا الصغيرة من جديد. نجتمع أمام البيوت، ننفخ فقاعات الصابون التي اشتريناها من الهبطة، فتملأ الأزقة بألوانها اللامعة وهي تطير في الهواء بهدوء. كانت الفقاعات بالنسبة لنا إعلانًا طفوليًا بأن هذا اليوم كان جميلًا ومختلفًا، وأن العيد صار قريبًا جدًا. نركض خلفها بضحكاتٍ عالية، بينما تخرج النسوة إلى الأبواب يراقبن صخبنا بمحبة، وكأن الحارة كلها تشاركنا الاحتفال دون أن تقول شيئًا.
ومرت السنوات سريعًا… أربعون عامًا كاملة عبرت بين تلك الأيام وبين زيارتي الأخيرة لهبطة صور. عدتُ إليها وأنا أحمل في قلبي طفلًا قديمًا لم يكبر تمامًا. كنت سعيدة جدًا وأنا ألتقط الصور، أحاول أن أحتفظ بما تبقى من الذاكرة قبل أن يبتلعه الزمن.
وجدت الحلويات نفسها ما زالت موجودة؛ سكر عُمان والقشاط، لكن داخل أكياس شفافة تحت حرارة الشمس العالية. شعرت بشيءٍ من الحنين والحزن معًا، وكأن الأشياء بقيت بأسمائها لكن الزمن غيّر ملامحها قليلًا.
أكثر ما شدّني تلك الوجوه الشابة التي تقف خلف البضائع. شباب في مقتبل العمر يساعدون آباءهم وأهلهم في البيع، يرتبون المنتجات وينادون على الزبائن بحماسٍ يشبه حماسنا القديم. رأيت في عيونهم امتدادًا طبيعيًا لذاكرتنا نحن، وكأن الهبطة ما زالت تُورّث روحها جيلًا بعد جيل.
وفي زاوية أخرى، كان باعة الأغنام يعيدون المشهد ذاته الذي لم يتغير كثيرًا. أصوات تتعالى، ومساومات لا تنتهي، وأرقام تُقذف في الهواء بسرعة:
“مئة وخمسون!”
“وفوقها!”
فتتحول الهبطة كلها إلى سيمفونية شعبية صاخبة لا تخطئها الأذن العُمانية.
وبرغم غياب العم خليل، واختفاء العم موسى ودمى الخشب التي كانت تسرق دهشتنا الصغيرة، إلا أن الهبطة ما زالت واقفة، تقاوم النسيان بطريقتها الخاصة. ما زالت تحمل شيئًا من روح الماضي، وتحتاج فقط إلى مزيد من العناية والاهتمام حتى تستمر بهذا الجمال.
كنت أتمنى وأنا أتجول في السوق أن أرى تنظيمًا أكبر يليق بقيمة الهبطة ومكانتها التراثية؛ مظلات واسعة تحمي الناس من حرارة الشمس، ومراوح كبيرة تخفف لهيب الصيف، وأماكن مرتبة تمنح الباعة والزوار راحة أكبر. فمثل هذه الأسواق الشعبية ليست مجرد أماكن للبيع، بل ذاكرة وطن كاملة تمشي على الأرض.
وقد رأيت تجارب جميلة في أسواق شعبية أخرى، مثل سوق المباركية في دولة الكويت، حيث حافظ السوق على روحه القديمة، وفي الوقت نفسه وفّر بيئة منظمة ومريحة للناس. وهذا ما أتمنى أن أراه يومًا في هبطة صور؛ تطويرًا يحفظ التراث بدل أن يغيّره.
كما أتمنى أن تتحول الهبطة إلى مهرجانٍ اجتماعي وثقافي متكامل، تُقام فيه مسابقات لأفضل خيمة تراثية، وأفضل تنظيم، وأجمل عرض للمنتجات الشعبية، وحتى مسابقات لأفضل صورة توثق روح الهبطة وحكايات الناس فيها. فمثل هذه المبادرات لا تمنح المكان جمالًا فقط، بل تعيد ربط الجيل الجديد بذاكرته الشعبية وتجعله يشعر أن هذا التراث يخصّه أيضًا.
فالهبطة لم تكن يومًا مجرد سوق مؤقت. كانت نافذة نطل منها على الحياة، ومدرسة صغيرة تعلّمنا الفرح والبساطة والمحبة. كانت مكانًا نكبر فيه دون أن نشعر، ونحمل تفاصيله معنا أينما ذهبنا.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أدرك أن الصور التي التقطناها لم تكن أهم ما بقي… بل تلك المشاعر التي سكنت أرواحنا منذ الطفولة، وما زالت كلما جاءت أيام العيد تعود إلينا بهدوء، حاملةً معها أصوات الباعة، ورائحة القشاط، وملامح العم خليل، وابتسامة العم موسى، وفقاعات الصابون التي كانت تملأ الحارة فرحًا، ودهشة الأطفال الذين كنّاهم يومًا في هبطة صور.
