خالد بن حمود الوردي
رواية «الأعمى الذي أبصر الخيل» ليست مجرد عمل أدبي أو حكاية من نسج الخيال، بل هي قصة حقيقية لطفل يُدعى خميس من قرية طيوي بولاية صور، عاش تفاصيل الألم والصبر والأمل والتحدي حتى أصبح اليوم طالبًا في جامعة السلطان قابوس، في رحلة تؤكد أن الإرادة قادرة على الانتصار حتى في أقسى الظروف. تنتمي الرواية إلى الأدب الإنساني الواقعي الذي يستلهم أحداثه من تجربة حقيقية، مقدّمًا للقارئ قصة تمزج بين المعاناة والأمل، وبين الانكسار والقدرة على النهوض من جديد.
تبدأ الرواية بطفولة هادئة وبسيطة، حيث كان خميس طفلًا مفعمًا بالحياة يقضي أيامه بين اللعب والضحك مع إخوانه وأطفال قريته، دون أن يدرك أن لحظة واحدة ستغيّر مجرى حياته بالكامل، ففي أثناء تعارك إخوانه تعرّض لضربة في عينه بدت في البداية بسيطة وعابرة، لكنها كانت بداية رحلة طويلة من المعاناة. ومن هنا تبدأ فصول الألم، إذ تنقّل خميس بين العلاجات الشعبية المعروفة في القرى على أمل أن يستعيد بصره، لكن دون جدوى، وبعدها اتجه إلى العلاج الطبي، إلا أن الأحداث ازدادت قسوة بعدما تسبب خطأ طبي في فقدانه البصر بشكل كامل، ليس في العين المصابة فقط، بل حتى في العين السليمة، لتتحول معاناته إلى مأساة حقيقية.
رغم كل ذلك لم يفقد خميس الأمل، فقد سافر إلى الخارج للعلاج بعد نصيحة من أحد جيرانه، وهناك حدثت المفارقة؛ إذ عاد إليه جزء من البصر في العين المصابة، بينما بقيت العين السليمة فاقدة للبصر بسبب الضرر الذي أصاب الأعصاب البصرية نتيجة الخطأ الطبي، وكأن الحياة أرادت أن تمنحه نافذة صغيرة من الضوء بعد كل ذلك الظلام. لكن القدر عاد ليختبره من جديد حين سقط من أعلى المنزل، فعادت المأساة مرة أخرى وفقد بصره نهائيًا بعد محاولات كثيرة أكد الأطباء أنه لا أمل طبيًا في استعادة النور إلى عينيه.
لم يكن عنوان الرواية «الأعمى الذي أبصر الخيل» عنوانًا عابرًا، بل يحمل بعدًا رمزيًا عميقًا ارتبط بحياة خميس منذ طفولته، فقد كانت الخيول تزوره في أحلامه باستمرار قبل إصابته وأثناء رحلة علاجه وحتى بعد فقدانه البصر، فكانت تظهر له أحيانًا كأنها صديق يرافقه، وأحيانًا بصورة غامضة يصعب تفسيرها، وأحيانًا أخرى تركض خلفه بسرعة وكأنها تطارده أو تقوده إلى شيء مجهول، حتى أصبحت الخيول جزءًا من عالمه الداخلي ورمزًا خفيًا للأمل والخوف والحرية والصراع الذي عاشه في رحلته الطويلة مع الألم والظلام، وهو ما منح الرواية بعدًا نفسيًا ورمزيًا عميقًا يتجاوز مجرد سرد الأحداث.
رغم قسوة التجربة لم يستسلم خميس، بل جعل من العمى بداية لطريق جديد لا نهاية لحياته، فالتحق بالمدرسة طالبًا غير رسمي، ثم انتقل إلى مركز المكفوفين، وواصل تعليمه بإصرار وعزيمة حتى تمكن من تحقيق النجاح والتميز ودخل جامعة السلطان قابوس، ليصبح مثالًا حيًا على أن الإنسان قد يخسر الكثير، لكنه قادر على أن يصنع من خسارته بداية جديدة لحياة مختلفة.
كان للأسرة وأهالي القرية دور كبير في رحلة خميس، فقد وقف والداه وإخوانه وجيرانه إلى جانبه بكل ما يملكون من حب ودعم، متنقلين به بين الأطباء والعلاجات، متمسكين بالأمل رغم بساطة حياتهم وظروفهم المادية الصعبة، وفي صورة جميلة من التكافل الأسري والاجتماعي لم تكن معاناة خميس معاناة فرد واحد، بل كانت معاناة قرية كاملة تقف معه في كل خطوة.
تميّز السرد في هذه الرواية بصدق المشاعر والأسلوب الإنساني المؤثر، حيث اعتمد الكاتب على لغة بسيطة وعاطفية قريبة من القارئ، مما جعل الأحداث أكثر صدقًا وتأثيرًا، واختلطت مشاعر الحزن في لحظات الانكسار بالأمل في لحظات القوة والنجاح، لتمنح القارئ تجربة عاطفية عميقة تبقى عالقة في الذاكرة. فالرواية لا تتحدث عن فقدان البصر فحسب، بل عن الإنسان حين يواجه الحياة رغم كل ما تسلبه منه، وعن القوة التي تولد من رحم المعاناة، كما تنجح في تحويل الألم الشخصي إلى تجربة إنسانية عامة تلامس كل قارئ.
لقد أثبتت قصة خميس أن النور الحقيقي لا يكمن في بصر العين فقط، بل في بصيرة القلب وقوة الإرادة، فقد استطاع أن يحوّل ألمه إلى قصة تلهم الآخرين وتمنحهم الأمل، مؤكدًا أن الإنسان مهما تعثر قادر دائمًا على النهوض من جديد.
لكل قارئ لهذه الرواية: استعدوا لرحلة تمس القلوب بصدق، لأن بعض القصص لا تُقرأ فقط، بل تبقى حيّة في الذاكرة والروح طويلًا.

