محمد بن عيسى البلوشي
بين زرقة الأمواج المتلاطمة وهدير الريح الذي يحمل في طياته أنفاس التاريخ، يمضي البحار العماني “الصوري” الشيخ فيصل بن خميس الحشار، في رحلة ليست مجرد عبور للمسافات، بل هي استحضار حيّ لأمجاد “صور العفية” التي كانت ولا تزال أيقونة الملاحة العمانية. وعبر قاربه “الماشوة”، يشق عباب البحر باتجاه الموانئ الأوروبية، حاملاً معه إرث الأجداد وروح المغامرة التي لا تحدّها حدود.
ما يميز رحلة الشيخ فيصل الحشار ليس فقط جرأة الإبحار بمركب في مياه دولية، بل ذلك المحتوى البصري واللغوي الرفيع الذي يبثه؛ حيث ينسج في حديثه مزيجاً ساحراً بين اللهجة الصورية الأصيلة بمفرداتها العميقة، وبين مصطلحات أجنبية رصينة، ليعيد إلى الأذهان صورة البحار العماني المثقف الذي جاب الآفاق. هذا المزيج اللغوي يعكس حقيقة تاريخية بأن النواخذة العمانيين كانوا سفراء معرفة، يتحدثون لغات العالم ويدركون أبعاد ثقافات الشعوب التي ترسو سفنهم في مرافئها، مما جعل من رحلته الحالية جسراً حضارياً يربط الشرق بالغرب بأسلوب أدبي شيّق.
كما ينقل الشيخ فيصل الحشار زوايا المدن والاسواق وحياة الانسان قرب كل مرفأ ترسو اليه “الماشوة”؛ مسجلا أهم وأدق التفاصيل التي يتعامل معها؛ ناقلا السعادة والحياة الى كل من يشاهد محتوى رحلته البحرية الشيقة على منصة “إنستجرام” وكأنه يسافر مع البحار الى كل ميناء.
إن الفكرة التي أطلقها بحارنا العماني تتجاوز حدود الهواية؛ فهي رؤية استراتيجية تؤسس لنمط جديد من السياحة الاستكشافية؛ فمن خلال “الماشوة”، يقدم درساً في كيفية تحويل التاريخ البحري إلى فعالية ترفيهية ومعرفية حية. إنها دعوة لمعايشة الواقع البحري بكل تفاصيله، واستلهام القوة من التاريخ لتطوير صناعة سياحية بحرية حديثة، تضع الموانئ العمانية على خارطة المسارات العالمية للسفن واليخوت السياحية.
وانطلاقاً من هذه التجربة الملهمة، نضع جملة من المرئيات لتعزيز هذا النوع من النشاط وتحويله إلى منتج سياحي وطني:
*أولها هو توثيق الرحلة سينمائياً* فمن الضروري تحويل محتوى هذه الرحلة إلى فيلم وثائقي احترافي يعرض في المحافل الدولية، ليكون بمثابة “بطاقة تعريف” عالمية للهوية البحرية العمانية وقدرة الإنسان العماني على تطويع البحر في كل العصور.
*ثانيها هو استثمار الموانئ كمحطات سياحية؛* وهنا دعوة للعمل على تحويل الموانئ العمانية من مجرد نقاط للشحن والتفريغ إلى مرافئ سياحية متكاملة، قادرة على استقبال السفن السياحية الكبرى واليخوت، مع توفير خدمات لوجستية.
*ثالثها هو إحياء الأسواق المحيطة بالمرافئ؛* وهنا يكمن سحر الموانئ التاريخية في أسواقها؛ لذا نقترح تطوير “أسواق المرافئ” التي تربط الميناء بقلب المدينة، بحيث يجد السائح فور وصوله تجربة تسوق تعبق بروح التراث وتضم الحرف التقليدية والمقاهي التي تطل على البحر، مما يخلق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
*رابعها تمكين سياحة “الماشوة”* عبر تشجيع ريادة الأعمال في قطاع السياحة البحرية من خلال تصميم رحلات قصيرة للسياح على متن سفن تقليدية مطورة، تحاكي تجربة الشيخ فيصل، لتعزيز ربط السائح بالهوية العمانية.
إن رحلة الشيخ فيصل الحشار هي نداء لكل المهتمين بالقطاع السياحي، بأن البحر الذي هو مصدر رزقنا، هو أيضا بوابتنا الكبرى نحو استثمار سياحي لا ينضب، شريطة أن نحسن قراءة الأمواج وتطوير المرافئ بما يليق بعظمة هذا التاريخ.
