ليلى بنت قاسم البلوشية
من أكثر المواضيع التي يكثر حولها الحديث في مجتمعاتنا موضوع عاملات المنازل والعمالة المنزلية بشكل عام، وغالبًا ما يتركّز النقاش على الجوانب السلبية؛ من التقصير في العمل، أو سوء السلوك، أو حتى بعض الحوادث المؤسفة التي تصل أحيانًا إلى مستويات إجرامية. إلا أن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى الصورة كاملة، وأن نتناول الجانب الآخر من التجربة الإنسانية والمهنية مع هذه الفئة التي أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في كثير من البيوت.
منذ عام 2000، حين استقدمت أول عاملة منزلية إلى منزلي، وحتى اليوم، أدرك تمامًا أنني لم أعد قادرة على إدارة شؤون المنزل بمفردي، خصوصًا مع اتساع الأسرة وتزايد المسؤوليات، إلى أن أصبحت الحاجة تتطلب وجود عاملتين منذ عام 2017. وخلال هذه السنوات الطويلة، لم تكن التجربة مجرد علاقة عمل تقليدية، بل كانت رحلة تعلم حقيقية في فهم الإنسان، وإدارة الاختلاف، والتعامل مع الثقافات المتعددة.
لقد اكتشفت مع مرور الوقت أن توظيف عاملة منزلية ليس بالأمر البسيط الذي قد يتصوره البعض؛ فالمسألة لا تقتصر على استقدام شخص، ومنحه قائمة من المهام، ثم محاسبته على أي تقصير، أو استبداله بسهولة عند عدم الرضا عن أدائه. هذا النمط من التفكير، وإن كان شائعًا، يغفل جانبًا جوهريًا في العلاقة، وهو أن من يعمل داخل المنزل إنسان قبل أن يكون موظفًا.
كثير من العائلات تدخل في دوامة التغيير المستمر للعاملات بسبب عدم الرضا عن مستوى الأداء، دون محاولة فهم العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية التي تؤثر على هذا الأداء. فالعاملة تترك وطنها وأسرتها وعاداتها وطعامها ولغتها، وتنتقل إلى بيئة جديدة تختلف عنها في كل شيء تقريبًا، ثم يُطلب منها أن تتكيف بسرعة، وأن تعمل بصمت، وأن تتحمل الضغط المستمر دون أن تُظهر تعبًا أو اعتراضًا أو حتى مشاعر إنسانية طبيعية.
ومع طول التجربة، مررت بمواقف متعددة ومتناقضة؛ وجدت من تجامل، ومن تنافق، ومن تجادل، ومن غادرت المنزل دون سابق إنذار، كما وجدت من أحبّت المكان بصدق، ومن عبّرت عن الامتنان، ومن وعدت بالعودة بعد انتهاء عقدها ثم حالت ظروف الحياة دون ذلك. وكل هذه المواقف أكدت لي حقيقة واحدة: أن البشر، مهما اختلفت ثقافاتهم أو وظائفهم، يبقون بشرًا تحكمهم المشاعر والكرامة والاحتياج الإنساني للتقدير.
وقد توصلت بعد سنوات من الخبرة إلى قناعة راسخة بأن العدالة في الراتب، وتوفير الاحتياجات الأساسية، والالتزام بالحقوق، وإن كانت أمورًا ضرورية، إلا أنها وحدها لا تكفي لصناعة بيئة عمل مستقرة أو علاقة إنسانية صحية. فهناك جانب آخر أكثر تأثيرًا واستدامة، يتمثل في الاحترام، والتقدير، والكلمة الطيبة، والشعور بالامتنان تجاه الجهد المبذول. هذه المعاني هي التي تصنع الولاء الحقيقي بين الإنسان والإنسان.
ولا يعني ذلك إنكار وجود بعض النماذج السلبية أو التصرفات غير المقبولة؛ فالشذوذ موجود في كل المجتمعات والفئات، والناس طبائع مختلفة. لكن لا ينبغي أن تتحول الحالات الفردية إلى معيار نحاكم من خلاله الجميع، أو أن نفقد بسببه البعد الإنساني في تعاملاتنا اليومية.
وما ينطبق على عاملات المنازل، ينطبق كذلك على كل عامل وموظف في أي مؤسسة صغيرة كانت أو كبيرة. فجميعنا، بدرجات متفاوتة، نعمل تحت إدارة ما، ونؤدي أدوارًا مختلفة داخل منظومات عمل متعددة. ومن هنا، فإن مسؤولية صاحب العمل لا يجب أن تقتصر على متابعة جودة الأداء وتحقيق النتائج فقط، بل ينبغي أن تشمل أيضًا مراعاة الإنسان الذي يعمل تحت إشرافه؛ نفسيًا ومعنويًا وأخلاقيًا.
فالإنسان ليس آلة تعمل بلا مشاعر، ولا يمكن الاستمرار في استنزافه تحت ضغط دائم دون أن ينعكس ذلك على أدائه واستقراره. وإذا كان العالم اليوم يتجه نحو الأتمتة والروبوتات لتحقيق أعلى درجات الكفاءة والتحكم، فإن ذلك يحدث تحديدًا لأن الآلة لا تتعب ولا تشعر ولا تعترض. أما الإنسان، فسيظل دائمًا بحاجة إلى الاحترام قبل الأوامر، وإلى التقدير قبل المحاسبة.
إن جودة العمل الحقيقية لا تُبنى فقط على الأنظمة والتعليمات، بل تُبنى أيضًا على الإنسانية. وكلما ارتقى الإنسان بأخلاقه في تعامله مع من يعملون معه أو تحت مسؤوليته، ارتقت معه جودة الحياة والعمل معًا.
