فايزه محمد – شؤون وطنية
أكد عدد من المحافظين أن الصلاحيات الممنوحة للمحافظات بموجب نظام المحافظات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (36/2022) أسهمت في إحداث تحول نوعي في إدارة القطاع السياحي، من خلال تمكين المحافظات من توجيه مواردها وفق أولويات تنموية واضحة، وتطوير مشاريع ومبادرات تستند إلى الميز النسبية لكل ولاية.
وأضافوا – في تصريحات خاصة لـ”شؤون وطنية” – أن منهجية اللامركزية مكنت المحافظات من استثمار مواردها بأساليب إبداعية، مشيرين إلى أن القطاع السياحي يعد من القطاعات الواعدة اعتمادا على ما تمتاز به سلطنة عمان من مقومات طبيعية متنوعة تلبي تطلعات جميع الزائرين الراغبين في اكتشاف الكنوز الطبيعية والتعرف على الثقافة والتراث العماني.
وقال سعادة المهندس مسعود بن سعيد الهاشمي محافظ جنوب الباطنة، إن اللامركزية الإدارية في سلطنة عمان نجحت في إحداث تحوّل نوعي في العلاقة بين المواطن والتنمية، حيث لم يعد الفرد مجرد متلقٍ للبرامج أو مشاهد للأنشطة السياحية، بل أصبح شريكًا فاعلًا في صناعتها وتوجيه مساراتها، مضيفا أن هذا التحول يبرز بوضوح في محافظة جنوب الباطنة التي تُعد نموذجًا حيًا لتجسيد أثر نقل الصلاحيات إلى المستوى المحلي، وما نتج عنه من تمكين حقيقي للمجتمع.
وأوضح سعادته: لقد أتاح هذا التوجه للولايات مساحة أوسع لاتخاذ القرار بما يتلاءم مع خصوصياتها البيئية والثقافية والسياحية، الأمر الذي انعكس مباشرة على طبيعة النشاط السياحي، فبدلًا من الاعتماد على أنماط تقليدية ومحدودة من السياحة، برزت مبادرات محلية يقودها المواطنون أنفسهم، مستندة إلى فهمهم العميق لمواردهم وإمكاناتهم، كما لم يعد المنتج السياحي محصورًا في المواقع المعروفة أو الوجهات الرسمية، بل امتد ليشمل تفاصيل الحياة اليومية التي كانت في السابق خارج دائرة الاهتمام السياحي.
وبيّن سعادة محافظ جنوب الباطنة أن المواطنين في جنوب الباطنة أعادوا تعريف التجربة السياحية من خلال تقديم أنشطة أصيلة تنبع من واقعهم المعيشي، إلى جانب إشراكهم في الحرف اليدوية والممارسات التراثية، وهذه المبادرات لم تكن مجرد أنشطة ترفيهية، بل تحولت إلى أدوات تعكس الهوية الثقافية والسياحية وتعزز من قيمة التراث غير المادي.
وذكر سعادته: ومن اللافت أن هذا التحول لم يسهم فقط في تنويع المنتج السياحي، بل أدى كذلك إلى تنويع مصادر الدخل لدى الأسر، وفتح آفاق جديدة لرواد الأعمال، خصوصًا من فئة الشباب، الذين وجدوا في السياحة المجتمعية مجالًا خصبًا للابتكار والاستثمار، كما عززت هذه الديناميكية روح المبادرة والمسؤولية، ورسخت مفهوم التنمية المستدامة القائمة على استثمار الموارد المحلية دون الإخلال بتوازنها البيئي أو الثقاف، وعلاوة على ذلك أسهمت اللامركزية في إبراز الخصوصية المكانية لكل ولاية داخل المحافظة، حيث بات لكل منطقة طابعها السياحي المميز وتجربتها الفريدة التي تعكس أسلوب حياة سكانها، وهذا التنوع أضاف عمقًا للوجهة السياحية، وجعلها أكثر جاذبية للزوار الباحثين عن تجارب أصيلة بعيدة عن النمطية.
وأضاف: بناءً على ما سبق، يمكن القول إن اللامركزية لم تكن مجرد إجراء إداري، بل مثلت رافعة تنموية أعادت تشكيل دور الإنسان العُماني، فحولته في جنوب الباطنة إلى “صانع تجربة سياحية” بامتياز، كما أسهمت في اكتشاف وتفعيل موارد سياحية جديدة مستمدة من البيئة المحلية والثقافة المجتمعية، الأمر الذي عزز من تنافسية المحافظة على الخارطة السياحية، وفتح أمامها آفاقًا أوسع للنمو والتطور في هذا القطاع الحيوي.

من جانبه أكد سعادة طاهر بن مبخوت الجنيبي، محافظ الظاهرة، أن صناعة السياحة الحديثة في المحافظة لم تعد ترتهن فقط بوفرة الموارد الطبيعية والتاريخية، بل باتت تعتمد بشكل أساسي على جودة تقديمها وابتكار تجارب سياحية نوعية تتسم بالاستدامة، موضحا أن المرحلة الراهنة تفرض تبني معايير عالمية متطورة تركز على “تصميم التجربة السياحية”، وتحويل المقومات التراثية إلى واقع حيّ يستلهم خصوصية المكان، بعيدًا عن القوالب الجاهزة والأنماط التقليدية.
وأشار سعادته إلى أن نجاح الاستثمار السياحي يعتمد على التكامل بين عناصر التجربة؛ بحيث تُصاغ المواقع ضمن مسارات تفاعلية تربط بين المشهد الطبيعي، والأنشطة الرياضية أو الثقافية المصاحبة، والمنتج المحلي العماني، مما يقدم للزائر قصة متكاملة وتجربة عميقة تتسم بالتنوع والابتكار في أساليب العرض والتقديم.
وفي سياق تطوير الوجهات، بيّن سعادته أن العمل جارٍ على إعادة صياغة الأفكار لتواكب تطلعات السائح المعاصر، عبر تحويل المواقع من مجرد نقاط عبور إلى وجهات سياحية متكاملة الخدمات.
واستشهد سعادته بعدة مشاريع ومبادرات استراتيجية، منها: مهرجان الظاهرة السياحي الذي يمثل تظاهرة سنوية كبرى تهدف إلى تنشيط الحركة التجارية والترويج للمحافظة، عبر فعاليات ترفيهية وثقافية تبرز الهوية المحلية وتستقطب الزوار من داخل وخارج سلطنة عمان.
كما لفت إلى مشروعات الإطلالات السياحية حيث تم اختيار مواقعها بعناية لتكون منصات مشاهدة عصرية توفر تجربة بصرية فريدة تجمع بين الاسترخاء والجمال الطبيعي، إلى جانب مشروع تطوير “حارة الرمل” الذي يعد نموذجًا رائدًا لإحياء الحارات القديمة بأسلوب تفاعلي، يهدف إلى صون التراث المعماري وتقديمه كمنتج سياحي “قابل للعيش” يوفر فرص عمل للمجتمع المحلي.
وأوضح سعادته أن حديقة عبري العامة ستشهد نقلة نوعية لتصبح وجهة ترفيهية عائلية شاملة، تجمع بين المسطحات الخضراء والأنشطة الرياضية والفعاليات المجتمعية المستمرة، مؤكدا أن هذه التوجهات تأتي ترجمةً لمنهجية اللامركزية التي تمكّن المحافظات من استثمار مواردها بأساليب إبداعية، مشددًا على أهمية الشراكة مع القطاع الخاص في تحقيق هذه الرؤية، بما يعزز من تنافسية محافظة الظاهرة كوجهة سياحية رائدة تقدم تجارب متفردة ومتجددة.

وفي السياق، قال سعادة الدكتور يحيى بن بدر المعولي محافظ جنوب الشرقية، إن اللامركزية في سلطنة عُمان شكلت تحولا نوعيا في مسار التنمية السياحية، إذ أسهمت الصلاحيات الممنوحة للمحافظات في تعزيز كفاءة اتخاذ القرار، وتقليص الزمن الإجرائي المرتبط بدراسة الفرص الاستثمارية والموافقات والتنسيق بين الجهات ذات العلاقة، بما أوجد بيئة أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات التنمية وخصوصية كل محافظة.
وأوضح: “أصبحنا أكثر قربا من الواقع الميداني واحتياجات المستثمرين والمجتمع المحلي، الأمر الذي انعكس على سرعة معالجة التحديات المرتبطة بالمواقع والخدمات والبنية الأساسية، ورفع كفاءة التنسيق المؤسسي، بما عزز جاذبية المحافظات للاستثمارات السياحية النوعية، وفتح المجال أمام مشروعات أكثر ابتكارا وارتباطا بهوية المكان.
وأضاف: في محافظة جنوب الشرقية، أسهم هذا التوجه في توسيع نطاق التفكير بالمشروعات السياحية خارج الأطر التقليدية، من خلال استثمار المقومات الطبيعية والبحرية والتراثية والثقافية التي تزخر بها ولايات المحافظة، وتطوير تجارب سياحية متنوعة تشمل السياحة البيئية، وسياحة المغامرات، والسياحة البحرية، والتجارب التراثية والثقافية، إلى جانب المشاريع المرتبطة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والاقتصاد المحلي، مبينا أن اللامركزية عززت مفهوم التشاركية بين المحافظة والجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، بما أسهم في بناء نموذج أكثر تكاملا في تطوير المشروعات السياحية، قائم على توحيد الجهود وتبادل الأدوار وتحقيق الاستفادة المثلى من المقومات المحلية،.حيث أسهم هذا النهج التشاركي في رفع كفاءة التخطيط والتنفيذ، وتعزيز قدرة المحافظات على تقديم منتجات وتجارب سياحية أكثر تنوعًا واستدامة.
وأكد سعادته: من الجوانب المهمة كذلك، أن هذا التحول لم ينعكس على الاستثمار فحسب، بل أسهم في تمكين المجتمع المحلي من أن يكون شريكا في صناعة التجربة السياحية، سواء عبر المبادرات المجتمعية أو المشاريع الأسرية والحرف والمنتجات المحلية، بما يعزز الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية للسياحة، مشيرا إلى أن هذه التوجهات تنسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي أكدت أهمية تمكين المحافظات وتعزيز دورها التنموي، ورفع مساهمة القطاع السياحي في الاقتصاد الوطني من خلال تنمية متوازنة تستثمر المزايا النسبية لكل محافظة وتبرز التنوع الثقافي والجغرافي الذي تزخر به سلطنة عُمان.

بدوره، قال سعادة الشيخ محمود بن راشد بن هلال السعدي المكلّف بأعمال محافظ الداخلية، إن الصلاحيات الممنوحة للمحافظات بموجب نظام المحافظات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (36/2022) أسهمت في إحداث تحول نوعي في إدارة القطاع السياحي، من خلال تمكين المحافظات من توجيه مواردها وفق أولويات تنموية واضحة، وتطوير مشاريع ومبادرات تستند إلى الميز النسبية لكل ولاية.
وأضاف سعادته أن محافظة الداخلية ترجمت هذه الصلاحيات إلى واقع عملي، حيث تشهد تنفيذ 33 مشروعًا تنمويًا بتكلفة تجاوزت 36 مليون ريال عُماني، إلى جانب 8 مشاريع أخرى في مراحل الطرح والتعاقد بتكلفة تتجاوز 10 ملايين ريال عُماني، وذلك ضمن برامج تنمية المحافظات حيث تتوزع هذه المشاريع بين مشاريع سياحية وخدمية وبنية أساسية، بما يسهم في تعزيز جاذبية المحافظة كمقصد سياحي متكامل.
وأشار سعادته إلى أن المحافظة تعمل بالشراكة مع القطاعين العام والخاص على تطوير منتجات سياحية متخصصة تجمع بين السياحة الثقافية والبيئية وسياحة المغامرات، مستفيدة من إرثها التاريخي ومقوماتها الطبيعية، إلى جانب تنفيذ مشاريع نوعية لتأهيل المواقع التراثية وتطوير الواجهات السياحية، بما يعزز جودة التجربة السياحية ويطيل مدة إقامة الزائر.
وأوضح سعادته أن اللامركزية عززت كذلك من قدرة المحافظة على استقطاب الاستثمارات وتسريع تنفيذ المشاريع، حيث يجري تنفيذ ٤٢ مشروعا إستثماريًا بقيمة استثمارية تتجاوز ٥.٥ مليون ريال عُماني، إلى جانب مشاريع جديدة قيد الطرح والتنفيذ، ما يعكس الزخم التنموي المتسارع في مختلف ولايات المحافظة.
وبيّن سعادته أن إشراك المجتمع المحلي عبر الجلسات الحوارية واللجان الشبابية أسهم في تحويل مخرجات تلك اللقاءات إلى مبادرات ومشاريع واقعية، بما يعزز ارتباط التنمية باحتياجات المجتمع، ويدعم دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي ارتفعت نسبة الإسناد لها في المشاريع التنموية، بما يسهم في خلق فرص عمل وتنشيط الاقتصاد المحلي.
وأكد سعادته أن هذا النهج أسهم في إيجاد تنافس إيجابي بين المحافظات في تطوير منتجات سياحية مبتكرة، مشيرًا إلى أن محافظة الداخلية تمضي في ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية مستدامة، من خلال تكامل المشاريع الاستثمارية مع المبادرات المجتمعية، وتبني نماذج تشغيل حديثة تعزز من جودة الخدمات وتواكب مستهدفات رؤية عُمان 2040.

