إسماعيل بن حمد الكندي
هذه الرواية القصيرة هي إمتداد لأفكار لصيقة بأحلامنا وواقعنا ، فالكاتب العظيم ” ميغيل دي ثربانتس ” لا يكتب ليصدّر الأدب لمن يعاصروه ، بل يريد بكتاباته أن تبقى حيّة في ذاكرة الأجيال ، فكل جيل يقرأ لـ” ثيربانتس ” اليوم لا يمكن أن يجعل من أفكاره عبراً تمر وحسب ، بل هي إمتداد لصنع مسار نحو إنسان غير عادي .
كتب “ثيربانتس” هذه الرواية ضمن مشروع يختص بعدد من الروايات القصيرة التي تسمى “النوڤيلات” بعد مشروعه الأكبر وعمله العظيم ” دون كيخوت دِ لامانتشا ” التي أشتهرت بالخلود في عالم الروايات ، ولكن هذه الأعمال القصيرة لا تقل أهمية منها فـ” ثيربانتس ” ينقل الواقع عن عصره بهذه الروايات بشكل مباشر وواضح و برمزية تجعل القراء يدركون أهميتها الكبيرة . ” رينكونيته و كورتاديو ” واحدة من أهم أعماله التي ترجمت للعربية ، و تحمل في صفحاتها الصغيرة عبراً وواقعاً ساخراً كما هو الحال في روايات ثيربانتس ، ينقد بهذه الرواية أبعاداً عدة في عصره في ” إسبانيا ” التي هي بعيدة عن إسبانيا اليوم ، ولكن آثار هذه الرواية نجدها اليوم في بقاع مختلفة من هذا العالم .
تبدأ القصة في يوم عشوائي في شارع عشوائي في قلب إسبانيا ، بلقاء بين مراهقين أثنين يحمل كل واحد منهم قصة مختلفة في أعماقه ، يحمل اللقاء الكثير من التبجيل من الطرف الأول للآخر ثم يبدأ كل واحد منهم بسرد قصته بشفافية تجعل من القارئ يشك أنهم في أول لقاء ، هذه الثقة المتبادلة بين “رينكون” و “كورتادو” تعكس قسوة الشارع الإسباني و الرغبة الكبيرة داخلهم في لقاء ” الرفيق ” المناسب لرحلة اللصوصية و الصعلكة .
تبدأ رحلتهم بالنصب على أقرب إنسان بمهاراتهم ، ثم تقع أحداث توصلهم الى ” أشبيلية ” المدينة التي يحلم الجميع بزيارتها ، يمتهنون مهنة يمتهنها معظم مراهقي أشبيلية في ذلك الوقت ومن خلالها يمكنهم ممارسة “السرقة” بسهولة ، ولكن …”لا”… يأبى قانون القوة العليا أن يجعلهم أحرار ، فهنالك تنظيم ينظم مراهقين المدينة ويحميهم ويوجههم للسرقة بشكل فاضل، ينضمون له دون فهم ومن هنا تبدأ قصة مغايرة لواقع لامنطقي و غبي جداً .
ثيربانتس ينقل واقعاً مؤلماً عبر الأحداث المتعاقبة ، فيقوم برسم صورة عن مراهقي الشارع عبر “رينكون” و “كورتادو” الذين في الحقيقة هم من خلفيات ذات طابع نبيل و متدين ولكن ظروف سردوها بلسانهم أودت بهم لهذا الحال ، وفي الحقيقة ثيربانتس ينقل التناقض الواضح بين النفس و اللغة ، فهم مدركون لمعاني “الرذيلة” كالسرقة و النصب و الإحتيال و الشتم وغيرها مما يطبقون ، ويصنع ثيربانتس في ذهن القارئ الحيرة فيظهر تساؤل كبير ” ولكن هل الرذيلة مباحة في هذا الحال ؟” ، الكثير من لكن تضع معاني الرذيلة تلك في خط التفاهة ، فالجريمة بريئة اليوم .
تلك الحيرة في ذهن القارئ هي ذاتها في ذهن رينكون و كورتادو ” ولكن ” هم يحصلون على التوجيه ، ومن شخص يمثل القوة العليا و يخفي تلك الحيرة عن وجه المراهقين الملئ بالذنوب هنا فقط الرذيلة لها معنى آخر فالسرقة تبررها “لكن” و ” لكن ” تلك تبرر الكثير من الرذائل .
ينقد ثيربانتس و بشكل واضح و مبسط اولئك الذين يدعون أنهم أقرب “للإله” أكثر من الذين حولهم من الضعفاء ، فهم يبررون أي شئ يمشي بجانب مصلحتهم الشخصية ، يستغلون التائهين ويوجهونهم عبر أفكار الخلاص و الغفران ، فعلى سبيل المثال يضع فعل السرقة بجانب فعل “العطاء” فنسرق “ولكن” نقتطع منه للعطاء لوجه الرب ، هنا نخفف الذنب ، و ثيربانتس يتساءل “أليس كل هذا ذنب ؟” ويجيب ذلك القريب “نعم ، ولكنه ليس قتل أو إرتداد ” .
و تتضح بشكل عميق عبر الحوارات البسيطة تلك التناقضات التي تنموا في نفوس من ينوبون عن الإله بالكذب ، فهم يصنعون معاني للـ”الرذيلة” و “الفضيلة” فيجعلونها متساوية لا فرق بينهما ، وفي الحقيقة ثيربانتس هنا يسبق عصره بهذه الفكرة ، ففي رواية “1984” التي صدرت عام 1949 للكاتب الإنجليزي “جورج اورويل” يظهر مصطلح “التفكير المزدوج” الذي هو بشكل مبسط ” القدرة على إعتناق معتقدين متناقضين تماماً و التصديق بهما معاً ” ، وهذا بالضبط ما يطبقه ذلك المخلص كما أحب أن أسميه .
ينتقل ثيربانتس من النفوس المتناقصة الى الواقع الذي يحمل السياسة المتبعة في جحر الصعاليك ، فتظهر علاقات هؤلاء المجرمين بمن حولهم من رجال قانون و شرطة و تجار و غيرهم ممن يسهلون عمليات هذا التنظيم الوضيع ، فهؤلاء أساساً يرونهم كطوق نجاة ، فهم يظهرون على لسان من ينوب عن الإله على أنهم ” أسمى النفوس و أقربها للجنة ” ، ولكن هي في الحقيقة علاقة تبادل مصلحة وإختصارها “أوفر لك الحماية مقابل أن تعمل الأعمال الغير قانونية لصالحي ” .
ثيربانتس وبشكل ساخر يقدم عبر هذه الفكرة إنتقادًا لاذعاً للحكومة الإسبانية في ذلك العصر وبعض حكومات أوروبا ، التي تستخدم المجرمين لعمل الأعمال الغير قانونية و تقديم الحماية لهم عبر صفقات تحدث من تحت الطاولة ، ويقابل ذلك في عصرنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تظهر تنظيمات إجرامية كالمافيا و غيرها من التنظيمات الصغيرة و الكبيرة التي تتعاون مع أفراد ذو نفوذ و مؤسسات كبرى و بعض الأحيان حكومات ، ويتضح لنا أن ثيربانتس يسخر من واقع أوروبا في عصره ، ولكن ثيربانتس بسخريته يمد اصابع الإتهام بنفاق اولئك حتى يومنا هذا.
لعل أكثر ما يميز الرواية هو وضوح رمزيتها ، فالقارئ لا يتعب في إستخلاص المعنى الذي يريد ايصاله ثيربانتس ، فالمعاني كالرذيلة و الفضيلة و العلاقات السياسية و وضوح الطبقية تظهر بحوارات بسيطة بين شخصيات من أدنى الطبقات في المجتمع ولكن تمثل برمزيتها الحكومة و الكنيسة في ذلك العصر .
ينجح ثيربانتس في روايته هذه في أيصال معنى واضح عن فكرة بعض الأفراد الذين يعتقدون بشكل ما أنهم أقرب للرب ، ويوضح الفكر الذي يتبعونه بين إستخدام كلمات و لغة منمقة تثير العواطف ، و المفارقة أنهم يستحقرون بعض الذنب و يبررون بعضه لما يتماشى مع مصلحتهم ويكون ثيربانتس عبرهم شخصيات “غبية” تعكس واقعهم وواقع من يتبعونهم .
في المقابل وعلى عكس روايته الضخمة “دون كيخوت دِ لامانتشا” يلعب ثيربانتس هنا دور الخجول في الإسهاب في الحوارات و الشرح و الوصف ، ويكتفي وبشكل سلبي بعض الشئ في ايصال النقد و المتعة و نقل الواقع ، وذلك ما يجعل القارئ يتساءل عند الانتهاء من الرواية “فقط؟” .
ختاماً ، إن الروايات الخالدة كهذه هي قيمة تفتح طريق إدراك للواقع التاريخي في عصر ما ، وقد يكون ما هو الا امتداداً لواقع نعاصره اليوم “فرينكون و كورتادو” هم ضحايا من الشارع الإسباني في عصر ما ، ولكن كم هي عدد الدول التي تعاني اليوم من حروب وغيرها من أزمات ، و التي تحمل في قلبها العديد من أمثال رينكون و كورتادو .
يجب أن ندرك حجم المعاناة ، وما يضطر لمواجهته أولئك التائهين من أفكار دينية زائفة و منظمات تستغلهم و تستعطفهم مقابل المال و غيرها من الحاجات التي يرغبونها بشدة .
