أحمد بن سليمان بن مهنا الكندي
رسالة مفتوحة لمولانا أعزه الله وأيده بنصره وتوفيقه
في كل عام يقف آلاف الشباب العماني أمام السؤال ذاته: ماذا بعد شهادة الدبلوم؟
شاب أنهى اثني عشر عامًا من التعليم، نجح في دبلوم التعليم العام، لكنه لم يحصل على مقعد جامعي، أو ربما لم يجد في المسار الأكاديمي التقليدي ما يناسب قدراته وميوله العملية. يدخل سوق العمل وهو يحمل الطموح، لكنه يفتقد الخبرة، ويبحث عن فرصة، فيصطدم بسوق مفتوح تحكمه المهارة والإنتاجية والخبرة قبل أي شيء آخر.
هذه القصة لم تعد حالة فردية، بل أصبحت واقعًا يتكرر كل عام مع آلاف الشباب العمانيين.
ففي الوقت الذي يتقدم فيه عشرات الآلاف من الطلبة لامتحانات دبلوم التعليم العام، وينجح منهم ما يزيد على 80%، لا يحصل جزء كبير منهم على فرصة مباشرة لإكمال التعليم العالي، مما يعني انتقال شريحة واسعة من الشباب إلى سوق العمل دون امتلاك التأهيل المهني الكافي الذي يمنحهم القدرة الحقيقية على المنافسة والاستقرار وبناء مستقبل مهني واضح.
لقد اختارت السلطنة نموذج الاقتصاد القائم على السوق الحر وتكافؤ الفرص، وهو خيار اقتصادي منطقي وضروري لأي دولة تسعى إلى بناء اقتصاد تنافسي ومستدام، إلا أن هذا النموذج يضع الشباب العماني في مواجهة مباشرة مع قوى عاملة وافدة تمتلك في كثير من الأحيان خبرات مهنية تراكمية طويلة، ومهارات ميدانية متقدمة، وقدرة عالية على التكيف مع طبيعة الأعمال المهنية والحرفية، وفي المقابل، لا يزال جزء من الشباب العماني يدخل سوق العمل دون امتلاك التأهيل العملي الكافي الذي يسمح له بالمنافسة الفعلية داخل هذه القطاعات، خصوصًا في الأعمال المهنية التي تعتمد بصورة كبيرة على الخبرة الميدانية والانضباط والإنتاجية العالية.
وقطعا لا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة في مجالات التعليم والتأهيل والتدريب والتوظيف، وهي جهود مقدّرة وملموسة، إلا أن الفجوة المهنية لا تزال قائمة، ولا تزال قطاعات واسعة تعتمد بصورة شبه كاملة على العمالة الوافدة، في الوقت الذي يواجه فيه كثير من الشباب العماني صعوبة في إيجاد موطئ قدم مستقر داخل هذه المهن.
والأمر هنا لا يرتبط فقط بعدد الوظائف، بل يرتبط كذلك بطبيعة السوق نفسه، فبعض القطاعات المهنية في السلطنة تعاني من تراجع واضح في جودة الخدمات نتيجة انتشار نماذج عمل تعتمد على المنافسة السعرية منخفضة التكلفة على حساب الجودة والكفاءة والمعايير المهنية، وأصبح السوق في بعض الأحيان محكومًا بمن يقدم السعر الأقل، لا بمن يقدم مستوى الجودة الأفضل، الأمر الذي أضعف القيمة المهنية لكثير من الحرف والخدمات، وأنتج حالة من الفوضى المهنية التي يدفع ثمنها المستهلك والسوق معًا.
ومن هنا، فإن بناء كوادر وطنية مهنية عالية التأهيل لا يخدم فقط ملف التوظيف، بل يخدم أيضًا رفع جودة الخدمات المهنية داخل السوق العماني، وخلق بيئة أكثر احترافية واستقرارًا على المدى البعيد، كما أن المقارنة بين القوى العاملة الوطنية والوافدة يجب أن تؤخذ كذلك ضمن سياق اقتصادي واقعي وعادل.
فالقوى العاملة الوافدة تستفيد غالبًا من أنماط معيشية منخفضة التكلفة تمنحها قدرة أكبر على تقديم خدمات بأسعار أقل، إضافة إلى أن جزءًا كبيرًا من دخولها المالية يغادر الاقتصاد المحلي عبر التحويلات الخارجية، في حين أن القوى العاملة الوطنية تمتلك ميزة اقتصادية استراتيجية تتمثل في أن الجزء الأكبر من دخلها يعاد تدويره داخل الاقتصاد الوطني عبر الاستهلاك والاستثمار والاستقرار الأسري والمعيشي داخل السلطنة، ومن هنا، فإن الاستثمار في بناء الكفاءة المهنية الوطنية لا يمثل فقط قضية توظيف، بل يمثل أيضًا استثمارًا اقتصاديًا طويل الأمد في رأس المال الوطني وفي دوران الأموال داخل الاقتصاد المحلي.
وإذا كان الاقتصاد الوطني يقوم على مبادئ السوق الحر والمنافسة وتكافؤ الفرص، فإن ذلك يضاعف أهمية الاستثمار في بناء الكفاءة المهنية للشباب العماني، بما يضمن أن تكون فرصته في المنافسة قائمة فعلًا على المهارة والإنتاجية والخبرة الحقيقية، لا أن يدخل السوق وهو يفتقد أدوات المنافسة الأساسية منذ البداية.
وفي الحقيقة، فإن الحديث عن بناء الإنسان المهني لم يعد ترفًا فكريًا أو ملفًا منفصلًا عن خطط التنمية، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التحولات الكبرى التي تشهدها السلطنة اليوم، فالسلطنة تمضي بخطوات واضحة نحو تنفيذ مشاريع توسع عمراني واستثمارات استراتيجية ضخمة، بدءًا من التوسع الحضري المرتبط بمفهوم “مسقط الكبرى” وما يحمله من امتداد عمراني يصل إلى ولاية بركاء، مرورًا بالمشاريع الحديثة مثل مشروع “الخوير داون تاون”، والإعلان عن مشروع “مترو مسقط”، وصولًا إلى المشاريع الوطنية الكبرى القائمة حاليًا وفي مقدمتها “مدينة السلطان هيثم”.
هذه المشاريع لا تمثل مجرد خرائط عمرانية أو واجهات حضرية حديثة، بل تمثل اقتصادًا جديدًا كاملًا يحتاج إلى آلاف الفنيين والمهنيين والتقنيين القادرين على البناء والتشغيل والصيانة والإدارة والإنتاج، ومن هنا يصبح السؤال المنطقي: من سيقود هذه المنظومة المهنية؟ ومن سيشارك فعليًا في بناء هذه النهضة العمرانية والاقتصادية؟
فكما أن بناء المدن يحتاج إلى الإسمنت والحديد والتخطيط، فإنه يحتاج كذلك إلى الإنسان المؤهل القادر على تحويل هذه المشاريع إلى اقتصاد حي ومستدام، بل إن بناء الإنسان يجب أن يسير بالتوازي مع بناء الحجر، إن لم يكن أكثر أهمية منه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني مختلف في فكرته وأهدافه، مشروع لا ينظر إلى التدريب المهني بوصفه حلًا مؤقتًا للبطالة، بل باعتباره مسارًا استراتيجيًا لبناء قوة مهنية وطنية قادرة على الإنتاج والمنافسة، ومن هذا المنطلق تأتي فكرة إنشاء “أكاديمية السلطان هيثم المهنية”، ككيان وطني متكامل يهدف إلى تأهيل الشباب العماني في المهن والتخصصات التي يحتاجها السوق بصورة فعلية، وليس بصورة نظرية فقط.
إن السوق العماني لا يزال بحاجة مستمرة إلى آلاف الفنيين المهرة في مجالات متعددة، مثل: أعمال البناء والتشطيبات، تركيب السيراميك، أعمال الكهرباء والتمديدات، التكييف والتبريد، صيانة المركبات، الميكانيكا، كهرباء السيارات، أعمال الطلاء والنجارة والحدادة، إضافة إلى عشرات المهن الأخرى التي يعتمد جزء كبير منها حاليًا على العمالة الوافدة.
ومن هنا فإن أكاديمية السلطان هيثم المهنية لا ينبغي لها أن تتوقف عند حدود التدريب فقط، بل يجب أن تتحول إلى منظومة مهنية إنتاجية متكاملة تجمع بين: التدريب، والتشغيل، والإنتاج، وريادة الأعمال، والاحتضان المهني، بحيث لا يكتفي المتدرب بتلقي المهارة داخل القاعات، بل يشارك بصورة فعلية في تنفيذ الأعمال والمشروعات والخدمات داخل السوق، ليكتسب الخبرة الحقيقية أثناء التدريب، وليتحول تدريجيًا من متدرب إلى مهني قادر على إدارة مشروعه الخاص مستقبلًا.
وعليه فإنه يمكن تخيل أكاديمية السلطان هيثم المهنية كبيئة مهنية متكاملة تضم ورشًا إنتاجية حقيقية، ومراكز تدريب متخصصة، وساحات عمل ميدانية، وحاضنات للمشاريع المهنية، ومجمعات سكنية مخصصة للمتدربين والعاملين، بحيث يعيش الشاب داخل منظومة تبني لديه الانضباط المهني والخبرة العملية والاستقلال الاقتصادي بصورة متدرجة ومستدامة.
كما يمكن لأكاديمية السلطان هيثم المهنية أن تقدم خدماتها بصورة مباشرة داخل السوق، لتتحول من مجرد جهة تدريب إلى كيان اقتصادي منتج يشارك في تنفيذ المشاريع والأعمال والخدمات المهنية، وبذلك يصبح التدريب مرتبطًا بالإنتاج الحقيقي لا بالتأهيل النظري فقط.
وهنا يجب التأكيد على أن فكرة “أكاديمية السلطان هيثم المهنية” لا تنطلق من تجاهل الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة في مجال تأهيل الشباب العماني، فهناك بالفعل مؤسسات تدريبية ومبادرات وبرامج وطنية قائمة تؤدي دورًا مهمًا ومقدرًا. لكن الفكرة المطروحة هنا تدعو إلى تطوير هذا المسار ليصبح أكثر شمولًا ومرونة وأكثر ارتباطًا بالسوق، من خلال كون أكاديمية السلطان هيثم المهنية كياناً مستقلاً إداريًا وماليًا، يمتلك القدرة على العمل والإنتاج وبناء الشراكات والدخول المباشر في السوق، بدل أن يقتصر دوره على التدريب التقليدي فقط. فالمقصود ليس إنشاء معهد إضافي، بل بناء منظومة وطنية متكاملة تحتضن الشباب مهنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وتمنحه البيئة التي تساعده على التحول من باحث عن فرصة إلى صانع لها.
كما أنه لا يمكن لأي مشروع مهني وطني أن ينجح دون إعادة الاعتبار المجتمعي للمهن الفنية والحرفية، بوصفها قطاعات إنتاجية محترفة لا تقل أهمية عن الوظائف الإدارية التقليدية، بل إن الاقتصادات الحديثة تقوم في جزء كبير من قوتها على الكفاءات الفنية والمهنية القادرة على تحويل المهارة إلى قيمة اقتصادية حقيقية، لهذا فإن إنشاء أكاديمية السلطان هيثم المهنية يأتي تأكيدا على أهمية هذه المهن ودورها الفاعل في تنمية الاقتصاد.
وإذا كانت السلطنة اليوم تفخر بمشروعات وطنية كبرى تحمل اسم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مثل “مدينة السلطان هيثم”، بوصفها مشروعًا عمرانيًا يعكس رؤية المستقبل، فإن الشباب العماني ربما ينتظر أيضًا مشروعًا وطنيًا من نوع آخر يحمل اسم جلالته أعزه الله، مشروعًا يبني الإنسان المهني القادر على حمل هذا المستقبل.
إن الإيمان بالسوق الحر وتكافؤ الفرص لا يعني فقط فتح أبواب المنافسة، بل يعني كذلك توفير المعطيات الواقعية التي تجعل هذه المنافسة عادلة وممكنة بصورة حقيقية، فليس من المنطقي أن يدخل آلاف الشباب العماني إلى سوق عمل شديد التنافسية وهم يفتقدون التأهيل المهني والخبرة العملية والأدوات التي تمكنهم من الوقوف على أرض متكافئة مع قوى عاملة تمتلك سنوات طويلة من الخبرة والتدريب والتجربة، إن كفة المنافسة – في هذه الحالة – تميل بصورة طبيعية نحو الطرف الأكثر جاهزية، ومن هنا يمكن القول أن مسؤولية الدولة هنا لا يجب أن تتوقف عند تنظيم السوق، بل يجب أن تمتد إلى بناء الإنسان القادر على المنافسة داخله، ولهذا فإن تطوير منظومة التأهيل المهني الوطنية لم يعد مجرد ملف تدريبي، بل أصبح جزءًا أساسيًا من العدالة الاقتصادية نفسها.
وربما يأتي يوم تصبح فيه “أكاديمية السلطان هيثم المهنية” واحدة من أهم المشاريع الوطنية التي لم تبنِ سوق عمل فقط، بل أعادت بناء العلاقة بين الشباب العماني والعمل والإنتاج والمستقبل.
