أحمد الفقيه العجيلي
قرأتُ في أكثر من تحليل خلال الأيام الماضية توصيفات متباينة لما يجري في الخليج: هدنة، تصعيد، حرب باردة، أو حتى بداية تسوية.
لكن الحقيقة أن أيًّا من هذه المفردات، منفردة، لا تكفي لوصف المشهد.
ما نراه اليوم ليس حربًا بالمعنى التقليدي، حيث تتقدم الجيوش وتُحسم المعارك، وليس سلامًا يُبنى على تفاهمات واضحة. بل هو شيء بين الاثنين… حالة رمادية تتسع يومًا بعد يوم، وتفرض نفسها كواقع جديد.
ولعل ما يلفتني في هذا المشهد، ليس ما يُقال فيه… بل ما يتم تأجيله باستمرار.
وكأن هذه “المنطقة الرمادية” لم تعد حالة عابرة، بل نمطًا يتكرر ويتوسع… حتى يكاد يصبح هو القاعدة.
في هذا النمط من الصراع، لا يبحث الخصوم عن “النصر المطلق”، لأن كلفته قد تعني انتحارًا متبادلًا، بل عن تفوقٍ بالنقاط؛ حيث الهدف ليس كسر العدو، بل استنزاف خياراته، وإبقاؤه في حالة استنفار دائم.
*هدنة بلا ضمانات*
نحن أمام هدنة، نعم… ولكنها بلا ضمانات.
الممرات مفتوحة… لكن بحذر.
السفن تعبر… لكن بتردد.
والتصريحات السياسية لا تهدّئ بقدر ما تُبقي الباب مواربًا لكل الاحتمالات.
لقد تحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي حيوي إلى ورقة ضغط تُستخدم في التوقيت المناسب. وهذا التحول وحده كفيل بأن يغيّر شكل الأمن في المنطقة؛ فحين يصبح الممر قابلًا للإغلاق أو التقييد في أي لحظة، فإن الاستقرار لا يعود حالة دائمة، بل احتمالًا مؤقتًا. ويتحول الأمن من “حق جماعي” إلى “خدمة مشروطة” تُقدَّم مقابل أثمان سياسية.
*إدارة التوتر بدل إنهائه*
في المقابل، لا يبدو أن هناك رغبة حقيقية لدى الأطراف في الذهاب إلى حرب شاملة.
الكلفة معروفة، والنتائج غير مضمونة، والجميع يدرك أن أي انفجار واسع لن يبقى داخل حدوده. لكن هذا “الوعي بالخطر” لم يؤدِ إلى تهدئة حقيقية، بل إلى نمط مختلف من الصراع: إدارة التوتر بدل إنهائه.
وفقًا لما ورد في بعض التحليلات الاقتصادية، فإن أسواق النفط والغاز أصبحت تتفاعل مع الإشارات السياسية أكثر من تفاعلها مع المعطيات الفعلية.
وكأن القلق نفسه أصبح سلعة… خبرٌ صغير يكفي ليحرك السوق صعودًا أو هبوطًا خلال ساعات. السوق يعيش حالة ترقّب دائمة، لا يعرف إن كان ما يراه مقدمة لانفجار… أم مجرد جولة أخرى من الضغط المتبادل.
*مفاوضات تحت سقف القوة*
أما المفاوضات، فهي حاضرة… لكنها لا تُبنى على الثقة بقدر ما تُدار تحت سقف القوة. كل طرف يفاوض وهو يحتفظ بأوراق التصعيد، لا كخيار أخير، بل كجزء من عملية التفاوض نفسها. وهذا ما يجعل أي تقدم هشًّا بطبيعته.
وفي هذا السياق، تابعتُ بعض التصريحات الصادرة من الجانب الإيراني، والتي تعكس بوضوح أن التفاوض لم يعد يُنظر إليه كمسار مستقل، بل كامتداد مباشر لميزان القوة. فالتأكيد على تأجيل أي تفاوض إلى حين القبول بالشروط، يكشف عن قناعة راسخة بأن ما يُحسم خارج طاولة الحوار، هو ما يحدد شكلها في النهاية.
هذه النظرة لا تبدو وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكم تجارب سابقة، جعلت الثقة عنصرًا شبه غائب، واستبدلتها بمعادلة أكثر صرامة تقوم على الردع وتوازن المصالح.
ومن هنا، يبدو أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الوصول إلى اتفاق، بل حول من يملك القدرة على فرض شروطه قبل أن يبدأ التفاوض أصلًا.
وحتى مع الحديث المتصاعد عن تفاهمات أولية ومقترحات متعددة البنود، ما تزال مؤشرات التهدئة تبدو أقرب إلى إدارة مؤقتة للصراع… لا نهاية فعلية له.
ومن خلال متابعة الأخبار خلال الفترة الأخيرة، يتضح أن الخطاب الصادر من واشنطن، بما في ذلك الرسائل الموجهة إلى الكونغرس، يميل إلى ضبط الإيقاع أكثر من حسمه، حيث تُترك المسارات مفتوحة… دون أن تُحسم.
*الموقع المعقّد للخليج*
في هذا المشهد، يبدو الخليج وكأنه يقف في موقع معقّد: ليس طرفًا مباشرًا في كل تفاصيل الصراع، لكنه الأكثر تأثرًا بنتائجه. الممرات، الطاقة، الاستقرار الداخلي… كلها عناصر مرتبطة بما يجري، حتى وإن لم يكن القرار بيده كاملًا.
وفي منطقة مثل الخليج، حيث ترتبط تفاصيل الحياة اليومية بالممرات والطاقة، لا تبدو هذه التحولات بعيدة كما قد يظن البعض.
والمنطقة اليوم تشبه مفاعلًا بالغ الحساسية؛ طاقة هائلة تحت السيطرة، لكن أي خطأ في التقدير قد يخرج الأمور عن السيطرة بالكامل.
*السؤال الختامي*
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل ستقع الحرب؟
بل: هل يمكن أن يستمر هذا الوضع طويلًا؟
صراع بلا حسم…
وهدوء بلا استقرار…
وتصعيد محسوب لا ينفجر، لكنه لا ينتهي.
وربما المشكلة ليست في غموض المشهد فقط… بل في أننا بدأنا نتعامل معه كأمرٍ معتاد.
قد لا تقع الحرب غدًا، وقد تستمر هذه الحالة من “اللا حرب” لوقت أطول مما نتوقع.
لكن ما يتشكل بهدوء في الخلفية، أخطر من أي مواجهة مباشرة: واقعٌ يفقد فيه الاستقرار معناه التقليدي، وتصبح فيه الأزمات قابلة للاستمرار… لا للحل.
عندها، لا يكون السؤال: متى تنتهي الأزمة؟
بل: هل صُمّم هذا المشهد أصلًا كي لا ينتهي؟
أم أن “التعايش مع القلق” لم يعد احتمالًا… بل القاعدة التي تُدار بها هذه المنطقة؟
