يعقوب الخنبشي
تطالعنا وسائل التواصل بين فينة وأخرى باقتراحات واعتراضات ومطالبات وتدخلات في صلب العملية التعليمية ما أنزل الله بها من سلطان؛ فهناك من يطالب بتقصير اليوم الدراسي، وآخر يدعو إلى إلغاء بعض المواد، وثالث يقترح الاستغناء عن الطابور الصباحي، ورابع ينادي بتأجيل الامتحانات، وخامس وسادس، وكأن رسم السياسة التعليمية أصبح شأنا عاما ومفتوحا لكل من أراد أن يدلي بدلوه، دون اعتبار لكون هذه السياسات ثمرة دراسات عميقة وخبرات تراكمية ومؤسسات رقابية ومجالس تعليم متخصصة.
إن التربية، في حقيقتها العلمية، نسق مركب يتجاوز سطح الظواهر إلى عمق البنى النفسية والمعرفية للمتعلم. فالقرار التربوي لا يبنى على الانطباع، بل على ما تنتجه البحوث في مجالات علم النفس التربوي، ونظريات التعلم، وقياس التحصيل، وتحليل النظم التربوية التعليمية والتجارب العلمية السابقة. وحين يُطرح مثلا مطلب تقليص اليوم الدراسي، فإن هذا القرار يرتبط بعوامل معقدة؛ منها زمن التعلم الفعال، وفترات الانتباه، وتكافؤ الفرص بين المتعلمين، فضلا عن أثره في مخرجات التعلم بعيدة المدى. وكذلك الحال في الدعوة إلى حذف مواد دراسية؛ إذ إن المنهج ليس حشدا معرفيا، بل بناء متكاملا يراعي التسلسل المعرفي والتكامل بين التخصصات.
وحيث التعليم يعنى بتشكيل الإنسان الكلي، لا بتلبية رغبات ظرفية أو ضغوط وقتية. فالفلسفات التربوية الكبرى من البنائية إلى الإنسانية تجمع على أن التعلم عملية تراكمية تتطلب بيئة مستقرة نسبيا، لا بيئة متقلبة تخضع لمزاج الرأي العام و(شطحات البعض). إن الإفراط في المطالب المتفرقة يهدد بتفكيك المنظومة التربوية بأكملها ويهدم هذا البناء، ويحول التعليم إلى تجربة ارتجالية تفتقر إلى الاتساق والتكامل التربوي.
غير أن هذا لا يعني إقصاء الصوت المجتمعي؛ فالشراكة بين المجتمع والمؤسسات التعليمية ضرورة لا غنى عنها. لكن هذه الشراكة ينبغي أن تؤطر ضمن قنوات علمية ومنهجية، كالدراسات الميدانية، والاستبيانات المقننة، واللجان الاستشارية التربوية ، لا عبر موجات وتغريدات من التفاعل اللحظي الذي تفرضه شبكات التواصل الاجتماعي. فشتان بين رأي يصاغ في سياق علمي، وآخر يتشكل تحت وطأة الانفعال أو المطالبة الفردية المحدودة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في كثرة الآراء، بل في تضخيمها على حساب المنهاج العلمي، حتى يغدو القرار التربوي رهين للضجيج لا للمعرفة. وعندئذ، تفقد المؤسسة التعليمية بوصلتها، ويتحول التخطيط الاستراتيجي إلى استجابة تكتيكية وقتية.
وعليه، فإن الرصانة تقتضي إعادة الاعتبار للعلم بوصفه الحاكم الأعلى في الشأن التربوي، مع إبقاء قنوات النقد مفتوحة ولكن منضبطة. فوزارة التعليم ليست مزادا للأفكار، بل مؤسسة سيادية تناط بها مسؤولية بناء الإنسان العماني، وهذه المهمة لا تحتمل الارتجال، ولا يجب أن تُدار بمنطق الأكثر تداولا، بل بمنطق الأجدر علما والأعمق أثرا. والله ولي التوفيق والنجاح.
