نافجة العلوي
في تأمل شخصي عميق، يتشكل لديّ تصور واضح عن حقيقة الشعر التي كثيرًا ما تُغفل في قراءاتنا المعاصرة، حيث أرى أن الشعر في جوهره ليس وسيلة للاحتفاء بالسعادة بقدر ما هو مساحة صادقة لتفريغ الألم الإنساني بكل تجلياته، ذلك الألم الذي يتخذ صورًا متعددة كالفقد، والحنين، والانتظار، والاشتياق، وحتى الصراع الداخلي الذي لا يُرى لكنه يُثقل الروح ويبحث عن مخرج، فلا يجد أصدق من الكلمة الشعرية لتكون ملاذه.
وعند التأمل في تجارب كبار الشعراء، مثل المتنبي ونزار قباني ومحمود درويش، نجد أن ما وصل إلينا من جمال شعري لم يكن وليد لحظات رخاء وسكون، بل كان انعكاسًا مباشرًا لمعاناة عميقة وتجارب إنسانية قاسية شكّلت وعيهم وأعطت لقصائدهم ذلك الصدق الذي يجعلها خالدة في وجدان القارئ، إلا أن المفارقة تكمن في أن كثيرًا من القراء يتذوقون النصوص دون أن يتوقفوا عند منابعها النفسية والإنسانية، فيتعاملون مع الشعر كمنتج جمالي منفصل عن سياقه الشعوري، متجاهلين أن وراء كل بيت تجربة موجعة أو سؤالًا لم يجد إجابة.
إن السعادة بطبيعتها حالة مكتفية لا تميل إلى البوح، فهي هادئة، مستقرة، لا تبحث عن التعبير بقدر ما تعيش نفسها، بينما الألم يحمل في داخله طاقة ضاغطة تدفع الإنسان إلى الكلام، إلى الكتابة، إلى محاولة الفهم والتخفف، ومن هنا يصبح الشعر ضرورة نفسية قبل أن يكون اختيارًا فنيًا، ويغدو النص الشعري شهادة على لحظة إنسانية حقيقية لا يمكن تزييفها.
ومن هذا المنطلق، فإن حتى المدح الذي يبدو في ظاهره لونًا من ألوان الإشادة والاحتفاء، يمكن أن يُقرأ بوصفه شكلًا من أشكال القوة والتأثير، حيث استخدم عبر التاريخ كأداة لترسيخ المكانة وفرض الحضور، وهو بذلك لا ينفصل عن سياق الصراع الإنساني، بل يعكسه بطريقة مختلفة تتجاوز البساطة التي قد يظنها البعض.
ولا يعني هذا الطرح إنكار وجود شعر يعبر عن الفرح، وإنما يدعو إلى التمييز بين الفرح السطحي الذي لا يترك أثرًا، والفرح العميق الذي يأتي بعد معاناة، ذلك الفرح الذي يحمل في داخله بقايا الطريق ويعكس تجربة نضج حقيقية، وهو النوع القادر على أن يتحول إلى نص مؤثر يلامس الآخرين لأنه لا ينفصل عن الألم بل يمر من خلاله.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في طبيعة الشعور الذي يتناوله الشعر، بل في درجة صدقه وعمقه، فالشعر الذي لا يدفع ثمنه صاحبه من تجربته يظل خفيفًا وعابرًا، بينما الشعر الذي يولد من المعاناة يكتسب ثقله وصدقه، ويجد طريقه إلى القلوب دون استئذان، لأنه ببساطة يشبه الإنسان في ضعفه وقوته، في انكساره ومحاولته الدائمة للنهوض.
وهكذا، يمكن القول إن الشعر ليس حزنًا بالضرورة، لكنه في أعمق صوره تعبير عن إنسان عاش شعوره حتى نهايته، سواء كان ذلك الشعور ألمًا أو فرحًا، إلا أن الألم يظل أكثر حضورًا لأنه الأكثر إلحاحًا، والأكثر قدرة على تحويل التجربة إلى لغة تبقى.
