محمد بن عيسى البلوشي – مستشار اعلامي للشؤون الاقتصادية
لم تكن الزيارة السامية الأخيرة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- لولاية صور مجرد حدث بروتوكولي، بل مثلت في جوهرها ضوءاً أخضر لرسم ملامح مستقبلية تتجاوز النماذج التنموية التقليدية. فمشهد التلاحم الوطني المهيب يضع المجتمع الاقتصادي في “العفية” أمام مسؤولية تاريخية؛ تتمثل في تحويل هذا الزخم الوجداني إلى محرك مؤسسي عبر تدشين “كيان اقتصادي كشركة مساهمة عامة” تضطلع بدور الذراع الاستثماري المساند للخطط الحكومية.
ويأتي على رأس أولويات هذا الحراك الاستراتيجي الدفع نحو إنشاء ميناء تجاري متكامل في الولاية، يعيد لصور ثقلها التاريخي كبوابة تجارية حيوية، ويستفيد من موقعها الجغرافي ليكون منصة لوجستية تربط الأسواق المحلية بالعالمية، مما يعزز من تدفق الاستثمارات النوعية ويرفع مساهمة المحافظة في الناتج المحلي الإجمالي.
إن المتتبع للمشهد الاقتصادي يدرك أن الشركات الأهلية في سلطنة عمان غدت أدوات استثمارية فاعلة في تعظيم القيمة المحلية المضافة، كما هو المشهد في محافظات كمسندم وجنوب الباطنة. ومن هنا، فإن بناء كيان استثماري في ولاية صور يرتكز على الملاءة المالية لكبار التجار بالتوازي مع فتح باب المساهمة للمواطنين، من شأنه إيجاد دورة اقتصادية مستدامة تضمن توطين رؤوس الأموال وتحويلها إلى أصول إنتاجية، تماشياً مع توجهات الدولة نحو “لامركزية التنمية”.
وتستند رؤية هذا الكيان الاستثماري المنشود إلى ثلاثة محاور استراتيجية:
أولاً: الريادة اللوجستية والتحول السياحي المستدام: لا يقتصر الطموح هنا على استعادة الأمجاد البحرية، بل يمتد لتطوير بنية تحتية عصرية تتناغم مع هوية الولاية. ومن أهم المشاريع التي يمكن للشركة الأهلية تبنيها بالتعاون مع الجهات المعنية، هو تحويل جزء من ميناء الصيد الحالي إلى ميناء سياحي عالمي يضم مرافئ لليخوت وخدمات ترفيهية متكاملة، مما يضع صور على خارطة السياحة البحرية الدولية. هذا التحول سيخلق توازناً عبقرياً بين الأنشطة التقليدية (الصيد) والأنشطة ذات العوائد المرتفعة (السياحة والخدمات اللوجستية)، مما يعزز التنافسية الاقتصادية للولاية.
ثانياً: التمكين الهيكلي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة: ستعمل الشركة الأهلية كـ “صانع سوق” وحاضنة اقتصادية، عبر انتهاج سياسات ذكية في إسناد العقود. فبدلاً من خروج السيولة إلى مقاولين من خارج الولاية، ستقوم الشركة بتجزئة مشاريعها الكبرى إلى حزم أعمال تُسند حصرياً للمؤسسات المحلية. هذا التكامل يضمن بقاء القيمة النقدية داخل النسيج الاقتصادي لصور، ويحول الشركات الصغيرة من كيانات خدمية بسيطة إلى وحدات إنتاجية شريكة في مشاريع استراتيجية.
ثالثاً: صناعة فرص العمل النوعية والاستثمار في الرأسمال البشري: إن الهدف الأسمى هو الانتقال من التوظيف التقليدي إلى “صناعة الفرص” حيث ستساهم المشاريع في مجالات الموانئ، والسياحة، والطاقة المتجددة في خلق شواغر وظيفية تخصصية (هندسية، وإدارية، وتقنية).
إن وجود كيان بهذا الحجم يتيح للكوادر الوطنية من أبناء الولاية الانخراط في سوق العمل وفق معايير مهنية رفيعة، مما يساهم في الحد من هجرة الكفاءات ويعيد توطين الخبرات البشرية في قلب المحافظة. ويتحتم على هذا الكيان توجيه استثماراته نحو “الاقتصاد الأزرق” وتكنولوجيا الصيد الحديث، بالإضافة إلى التطوير العقاري والصناعي القابل لاستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر. ولترسيخ ثقة المساهمين، يجب أن ترتكز المؤسسة على منظومة حوكمة رصينة تتسم بالشفافية المطلقة، يشرف عليها مجلس إدارة يجمع بين الخبرة التجارية العريقة والعقلية الاستثمارية الحديثة.
إن نضج الوعي الاستثماري في ولاية صور ينتظر اليوم “المبادرة من المستثمر القائد”؛ وتأسيس شركة أهلية في صور ليس مجرد غاية تجارية، بل هو واجب وطني وترجمة فعلية لمشاعر الولاء عقب الزيارة السامية. فهل تشهد “العفية” قريباً ولادة هذا العملاق الاقتصادي ليقودها نحو آفاق “رؤية عمان 2040” بكل ثبات واقتدار؟
