إسماعيل بن حمد الكندي
هذه رواية تطوي صفحات رائعة من صفحات التاريخ الإسلامي الذي نام في سبات طويل في أخصب عهودة ، هي ليست مجرد رواية ، ملحمة هي تلك التي كتبها الروائي العظيم ” علي أحمد باكثير ” ، فهو ينشد بقيثارته العربية الحاناً تشبه تلك التي عزفها قبله “هوميروس” في رائعتيه ” الإلياذة و الأوديسة ” و حفيده فرجيل في رائعته “الإنيادة” ، كتب “علي” ملحمته “وا إسلاماه” ليعكس واحدة من أعظم قصص الشخصيات الإسلامية ” سيف الدين قطز” ، و الذي ولد من بطن المعاناة وعاش بين السيف و النار .
تعكس الرواية معاني عديدة كالحب و الخيانة و التضحية و غيرها من المعاني التي تظهر بلسان شخصياتها و تعلن عن قوة النص الذي يهلوس قارءه.
تقوم بين الكلمات الأولى من الملحمة الكبيرة ” وا إسلاماه ” الحيرة و التحسف على لسان الملك “جلال الدين إبن خوارزم شاه ” الذي يصف أن وقعة الحرب مع “التتار” هي غلطة والده العظيمة التي الحقت بالأمة الإسلامية الموت و التشرد و غيرها من أحجام المعاناة الكبرى .
وبين كلمات التحسف يصدح صوت الضحك اللامبالي و اللعب المرهق بين الصبي “محمود” وابنة خالته “جهاد” في ثنايا القصر ، لتبدأ المعاناة و الرحلة الملحمية الكبرى التي جعلت من “محمود” إبن أخت الملك جلال الدين يصبح “قطز” غلام يباع بسوق النخاسين ، و جعلت من إبنة الملك “جلال الدين” “جهاداً” صبية تسمى “جلنار” لتباع بجانب الغلام قطز .
تظهر شخصيات عديدة في رحلة “قطز و جلنار” ، نؤثر سلباً و ايجاباً ، و تجعل من رحلة الفكرة الواحدة التي تبنوها الغلام و الصبية أكثر صعوبة و أيسر طريقاً ، و الفكرة الواحدة هي نصرة الدين الإسلامي و طرد التتار من أرض المسلمين .
وبين التقلبات تظهر تلك المعاني لتشعر القراء بأهمية التمسك بالفكرة ، و جاءت ثورة قطز كخير مثال.
لعل أكثر ما يميز الملحمة هو طريقة عرض فكرة الوحدة ، فنصرة المسلمين جاءت بتوحيد صفوفهم ضد العدو ، و أن أي سقوط سابق ما هو الا تهاون يليه تهاون يولد خيانة و فقدان للمعنى ، فالفكرة تأتي هنا لتقول أن الخذلان أتى ليس بفقدان الإيمان فجميعهم يصلون و يوحدون الله ، ولكن جاء التخاذل و التهاون بعد أن إهتزت معاني الوحدة الكاملة و كثرت الخيانة و البيع و التهاون و قبول الذل .
يضع “علي باكثير” بين السطور صرخات تخلّد في ذاكرة القارئ ، ففصل معركة “عين جالوت” يضع المعنى الأسمى من الملحمة الخالدة ، وأن أسمى تلك المعاني هي الإيمان بالفضيلة الكاملة فلا يمكن أن يحارب بالسيف من له مثقال ذرة من خيانة ، ولا يمكن أن ينصر الدين متهاون يقبل الذل لأخيه المسلم .
القصة تروي المعاناة و النهوض بالفكرة ، “فالثورة القطزية” كما أحب أن أسميها هي فكرة لا تموت و هي تاريخ يحمل لواء خدمة الدين و الوطن ، ومن هذه الفكرة نستشف معاني تخلّد في النفوس ليتوارثها جيل بعد جيل ، وأن مهمة توريثها لكل جيل مسلم هي واجب لأن ما نواجهه اليوم من تهاون و إرضاء لأيدولوجيات دخيلة يقتل هذا الدين العظيم و يقتل معاني الوحدة في النفوس ، ولتكثر الفتن و يعم الخراب بين صفوفنا.
ختاماً ، قطز لم يولد بطلاً و لم يصبح بطلاً بين ليلة و ضحاها ، ولد من المعاناة و لم يقبلها وواجه الذل و لم يتهاون يوماً ، حمل الحقد ضد كل من يمس مسلم بسوء ، رأى أن التاريخ لا ينهار بضربة بل بتهاون و خيانة ، لم يولد بطلاً بل صنعه التساؤل الواحد كيف يستعاد الحق لأمة إهتزت ؟
ثم تذكرت تلك الأمة المعنى بين صرخات رددت “وا إسلاماه” هي لحظة الوعي ، ولحظة الغيرة ، ولحظة الإدراك أن دين محمد لا يمسه العدو فيسقط ، بل يسقط بتهاون رجاله .
وكما قال حفيد طه رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم ، الحسين بن علي شهيد الثورة و الكلمة رضي الله عنه : “هيهات منا الذلة” ، إن فقد المعنى هو ما يكسر الأمم .
