أحمد بن علي الشيزاوي
حيث إن المقال محل الرد قد بنى دعواه على أن برقية التهنئة الصادرة من سلطنة عمان بتعيين مرشد الثورة الإسلامية في إيران تمثل اصطفافا سياسيا إلى جانب طهران، وحيث إنه أقام هذا الاستنتاج على تأويلات لا سند لها من نص أو واقعة، فإن أول ما يرد عليه أن الخبر الرسمي العماني لم يجاوز حد الصيغة البروتوكولية المعهودة؛ إذ ذكرت وكالة الأنباء العمانية أن جلالة السلطان بعث برقية تهنئة بمناسبة اختياره، مقرونة بالتمنيات له بالتوفيق في مسؤولياته القيادية، ومن ثم فإن ما زيد على هذا القدر إنما هو تفسير مرسل لا يقوم على سند معتبر، ولا يصح التعويل عليه في الشأن العام أو تداوله بغير هدى ولا بصيرة.
وإذ يدحض الواقع ما زعمه المقال من أن سلطنة عمان كانت الصوت العربي الوحيد والمبادر، فإن هذا التوصيف لا يستقيم على إطلاقه؛ إذ أشارت تقارير لاحقة إلى صدور تهان من دول أخرى مثل روسيا والعراق وأذربيجان، وعليه فإن الوصف الأدق أن السلطنة كانت من أوائل المهنئين، لا أنها انفردت بالموقف كما حاول المقال تصويره.
ولما كان المقال قد وصف البرقية بأنها إعلان صريح عن الوقوف إلى جانب إيران في قلب المعركة، فإن هذا الوصف يفتقر إلى سنده الصحيح، ويكشف عن محاولة لدس السم في الدسم؛ ذلك أن مدرسة عمان الدبلوماسية قد قامت منذ نشأتها على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف.
وإذ تتعاضد القرائن التاريخية على أن دور مسقط في الإقليم لم يقم قط على منطق الاصطفاف، بل على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة حين توصدها الخصومات، فقد غدت بذلك وسيطا موثوقا في ملفات إقليمية معقدة بين أطراف متنازعة، وهو الدور الذي أكسب سياستها سمعة الاتزان والقدرة على مخاطبة الجميع دون انحياز.
وعلى سند مما أورده المقال من أن البرقية كسرت طوق العزلة ومنحت شرعية للقيادة الجديدة في إيران، فإن هذا القول مردود عليه وفيه افتئات ظاهر؛ إذ إن شرعية المرشد في النظام الإيراني تتقرر بقرار مجلس خبراء القيادة داخل إيران، لا بتهنئة خارجية، ومن ثم فإن البرقية لا تنشئ مركزا سياسيا ولا تنقضه.
ولما كان من اللازم النظر إلى الحدث الدبلوماسي في سياقه التاريخي الأوسع، فإن سجل السلطنة يقدم شاهدا بينا على أن سياستها قامت على الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المتنازعة، لا على الاندراج في معسكر ضد آخر كما يزعم هذا المقال.
وإذ استبان من وقائع التاريخ أنه إثر توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام ١٩٧٩م قاطعت الغالبية العظمى من الدول العربية جمهورية مصر العربية، وعُلقت عضويتها في جامعة الدول العربية عام ١٩٧٩م، ونقل مقر الجامعة إلى تونس حتى عام ١٩٩٠م، فإن السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه قد قرر، في خضم تلك العاصفة السياسية، الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية العمانية مع القاهرة كاملة غير منقوصة.
ولم يكن ذلك الموقف تعبيرا عن انحياز سياسي بقدر ما كان تجسيدا لجملة من المبادئ الراسخة في السياسة العمانية؛ أولها إبقاء خطوط التواصل والحوار مفتوحة مع الجميع، وثانيها الامتناع عن التدخل في شؤون الغير أو الانخراط في سياسة المحاور، وثالثها الإيمان بالمكانة الاستراتيجية لمصر في محيطها العربي وأن عزلها يضعف النظام العربي برمته، فضلا عن احترام سيادتها وحقها في استعادة أراضيها المحتلة.
وإذ كانت الحال كذلك، فإن أي قراءة للمواقف العمانية الراهنة لا يمكن أن تنفصل عن هذا النهج المتجذر الذي استمر عبر العقود، وانتقل بثبات إلى عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه، حيث بقيت الدبلوماسية العمانية محافظة على ذات المدرسة القائمة على التوازن والاستقلال.
ومن جماع ما تقدم، فإنه يتبين بجلاء أن المقال محل الرد قد أخطأ في فهم الحدث الدبلوماسي، وأخطأ قبل ذلك في قراءة المدرسة السياسية العمانية ذاتها؛ تلك المدرسة التي قامت على استقلال القرار، وحفظ التوازن، وهو ما ظل سمة ثابتة في الدبلوماسية العمانية عبر عقودها المتعاقبة.
