د. محمد حسين ترحيني/ باحث لبناني
سلطنةُ عُمان ليست مجرّد كيانٍ سياسيّ يحمل لقب “سلطنة”، بل حالةٌ ذهنية، ونسقُ عيشٍ قائمٌ على الاقتصاد في الانفعال، والاعتدال في الحركة، والهدوء في زمن الضجيج. هي بلدٌ اختار أن يمارس فضيلة الصمت الاستراتيجي، فلا يدخل في خصوماتٍ مجانية، ولا يصطفّ في محاور صاخبة، ولا يجعل من السياسة مسرحًا للاستعراض. علاقاتها متوازنة؛ لا تعادي الشرق ولا تستعدي الغرب، ولا تبحث عن دورٍ أكبر من حجمها، ولا عن صخبٍ يتجاوز حكمتها.
ومع هذا الهدوء المؤسسي، لا يغيب الصوت الأخلاقي حين تدعو الحاجة؛ فمفتيها يعبّر عن مواقفه بوضوحٍ حين يرى ظلمًا، من غير صراخٍ ولا مزايدات. تقول كلمتها وتمضي، بلا تهديدٍ ولا استعراض، كأنها تؤمن بأن الثبات أبلغ من العلوّ.
سلطانها هو السلطان هيثم بن طارق؛ اسمٌ مألوفٌ لا يحمل فخامةً مصطنعة، بل يشي بقربٍ إنسانيّ. وجده تيمور؛ اسمٌ عاديٌّ لا يُشعِرُك بأن وراءه سلالة عروش، بل تاريخًا يسير على مهل. كأن الأسماء هناك لا تُضخَّم لتُخيف، بل تُنطق لتُطمئن.
تملك عُمان موارد تكفيها، لكنها لا تُحوّل المال إلى أبراجٍ تناطح السماء، ولا إلى سباقٍ محمومٍ نحو الواجهة. في قاموسها، الارتفاع ليس قيمةً بذاته، والضجيج ليس دليلًا على الحضور. مدنها تتنفس بهدوء، وأسواقها تمشي على إيقاعٍ بطيء، وحياتها تميل إلى البساطة التي لا تُفقر الروح.
ليست دولة أغنيةٍ عابرةٍ للحدود، ولا فيلمًا يحصد الجوائز، ولا منتخبًا يتصدّر الشاشات. تاريخها الأولمبي متواضع، وأخبارها نادرًا ما تتصدّر العناوين الساخنة. حتى الجغرافيا تبدو رحيمةً بها؛ لا زلازل تُذكر، ولا نزاعات حدودية تُستعاد كل عام. كأنها تعيش خارج منطق الإثارة الذي يحكم عالم اليوم.
هل رأيتها يومًا طرفًا في صراعٍ حاد؟ هل سمعت عن مواطنٍ عُمانيّ يفتعل خصومةً في فضاءٍ افتراضيّ أو شارعٍ عابر؟ حضورهم خافت، لكن أثرهم ثابت؛ يمشون في العالم بلا صخب، ويغادرونه بلا ضجيج.
يُقال إن الإنسان يأخذ نصيبًا من اسمه، ولعل عُمان أخذت من اسمها سكينةً متسلطنة؛ لا تتسلّط على أحد، بل تتسلطن على ذاتها، مكتفيةً بسلامها الداخليّ، وموقنةً أن الهدوء، أحيانًا، هو أبلغ أشكال القوّة.
د.
