خاص ـ شؤون عُمانية
يقول عدد من المختصين إن تحويل الأعمال الروائية للكتّاب المؤثرين على الساحة الثقافية إلى أعمال درامية تلفزيونية يعد جسراً هاما بين الأدب والجمهور الواسع، إذ يتيح للنصوص المكتوبة أن تنتقل من صفحات الكتب إلى فضاء الصورة والصوت، ومن ثم تصل إلى فئات أكبر من المتلقين.
وأشاروا في تصريحات خاصة لـ”شؤون عمانية”، إلى أن الرواية تمنح القصة عمقاً فكرياً وإنسانياً، بينما يمنحها المسلسل بعداً بصرياً وحركياً يجعل الشخصيات والأحداث أكثر حضوراً وتأثيراً، مضيفين: يأتي مسلسل القافر المنقول عن رواية “تغريبة القافر” للكاتب العُماني زهران القاسمي ليسهم في إبراز البيئة العُمانية وتراثها المائي المرتبط بالأفلاج وما يلحق ذلك من مشاهد نوعية تتجسد في نقل تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية إلى شاشة تلفزيون سلطنة عُمان بأسلوب مشوّق، ما عزز حضور الأدب في سلطنة عُمان في سياق المشهد الإعلامي المحلي والعربي.
وفي هذا السياق، يتحدث الدكتور يونس النعماني عن القافر بين الذاكرة الشعبيّة والإبداع الفني قائلا: تتجلى في مسلسل “القافر” قدرة فريدة على استحضار الذاكرة الشعبيّة وتوظيفها كمصدر للإبداع الفني؛ إذ اعتمد العمل على سرد الحكايات والمعتقدات الشعبيّة؛ مما أوجد ارتباطًا عميقًا بين المشاهد وبين جذوره الثقافية.
ويضيف: شكلّت الذاكرة الشعبيّة نواة للخيال الدرامي، منحت الشخصيات أبعادًا تاريخية وثقافية، وجعلت الأحداث تنبض بحياة الماضي والحاضر معًا، فضلاً عن التفاعل بين التراث والإبداع فيما يسمى بالاقتصاد البنفسجي والصناعات الإبداعية والثقافية؛ مما جعل المسلسل مساحة خصبة لإعادة اكتشاف الهُوية العُمانية عبر عدسة الفن الحديث؛ من خلال التركيز على الذهنية الشعبيّة، وكيف واجه العُماني الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي عاشها؟ وكيف تكونت الذاكرة الشعبيّة خاصة في التعامل مع هذه الظروف الصعبة؟ فالإنسان في عُمان كغيره تدور في مخيلته العديد من الأسئلة، وبالتالي لا بد من إجابة سواء كانت منطقية أم لا علمية أم لا.
ويؤكد: وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر: علاج الصداع الذي لازم مريم بالماء، والذي استند على أساطير قديمة متعلقة بالخلق، تشظّت وأصبحت في العقل الجمعي في المجتمع على شكل أفكار ومعتقدات شعبيًة، كما إن ثمة مياه مقدسة، وعيون مقدسة، و(الروَّع) الذي يحرس المياه، سواء عند الأفلاج أو الآبار، بل حتى رمزية ولادة سالم بعد غرق أمه في الماء؛ مما جعل عقله الواعي واللاواعي مرتبط بالماء، وأصبحت لدية موهبة تتبع الماء (القافر)، وأيضا طلب الماء (الاستقساء) ومعتقد قلب الثياب دليل تبدل الحال، والخصب، وهذه التمثلات للماء في الذاكرة الشعبيّة جسّدها المسلسل بشكل متقن، وبصورة بصرية رائعة.

من جانبه، يقول الدكتور إيهاب حمدي مجاهد المتخصص في قطاع الإعلام /إذاعة وتلفزيون/، إن الاتجاه لتحويل الروايات إلى أعمال تلفزيونية من أهم الأدوات التي تستخدم للربط بين الفن المرئي والرواية المكتوبة، لما يحمله من قدرة على إعادة إنتاج النص السردي في قالب مرئي ومسموع على شكل جماهيري واسع الانتشار، كما أن الدراما هي الحياة والدراما لها متعة في الاستماع إليها وفي القراءة عنها وفي مشاهدتها، وأنا سعيد بالفن البصري المتميز الذي قدمه مسلسل القافر هذا العام في شهر رمضان المبارك، فالرواية الرائعة، مهما بلغت من جودة فنية، تبقى محصورة غالبًا في دائرة القرّاء والمهتمين بالأدب، بينما يتيح العمل الدرامي التليفزيوني وصول الفكرة إلى شرائح أوسع من الجمهور، بما في ذلك غير المعتادين على القراءة، وهنا يتحول النص من تجربة روائية فردية تأملية إلى تجربة مشاهدة جماعية يتشاركها ملايين المشاهدين.
ويبين: يسهم هذا التحويل في إحياء الأعمال الأدبية الكلاسيكية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بلغة العصر بما يساعد على تثقيف المجتمعات والارتقاء بالذوق العام والحس الجمالي الجماهيري، مع الحفاظ على روح الرواية الأصلية، وكثير من الروايات استعادت حضورها في الأسواق بعد تحويلها لمسلسلات ناجحة، وفي مصر لدينا العديد من التجارب الناجحة في هذا المجال لكبار الكتاب المصريين الذين جرى تحويل أعمالهم الروائية إلى مسلسلات درامية حققت نجاحا كبيراً، منها روايات نجيب محفوظ مثل الثلاثية والحرافيش، وكذلك أعمال الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس وكتابات يوسف إدريس الواقعية وأعمال يوسف السباعي، حيث يعكس هذا التفاعل بين الرواية والتليفزيون أهمية الأدب كمصدر أساسي للسرد الدرامي مما يعزز صناعة النشر ويعيد الاعتبار للأدب بوصفه منبعًا أساسيًا للإنتاج الدرامي.
ويذكر: من الناحية الفنية، تمنح المعالجة التليفزيونية للأعمال الروائية فرصًا لتوسيع السرد عبر عالم الصورة التليفزيونية، باستخدام فنيات الإخراج والإيقاع والموسيقى، والأداء التمثيلي، وتصميم الديكور، بما يضيف أبعادًا حسية وجمالية للنص الادبي الروائي، كما يفتح المجال لنقاشات مجتمعية حول القضايا التي تطرحها الرواية، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية.

بدورها، توضح موزة البدواوي كاتبة مهتمة بأدب الطفل في سلطنة عُمان: أؤمن أن الدراما ليست مجرد وسيلة ترفيه بل مساحة لطرح الأسئلة الكبرى ومناقشة التحولات الاجتماعية التي نعيشها، ومن هذا المنطلق، أود أن أعبّر عن رأيي في مشاركة الأطفال في العمل الدرامي القافر، وبرأيي وجود الأطفال في هذا النوع من الأعمال يشكل إضافة نوعية إذا تم توظيفه بوعي ومسؤولية، فالطفل في الدراما ليس مجرد عنصر لإضفاء البراءة أو جذب المشاهد عاطفيًا بل هو رمز للمستقبل وصوت يعكس أثر الأحداث على الجيل القادم، وحين نرى القصة من خلال عيني طفل فإننا نعيد اكتشافها بصدق أكبر وشفافية أعمق.
وتضيف: أرى أن مشاركة الأطفال في الدراما تمنح العمل بعدًا إنسانيًا مهمًا لأنها قرّبت القضايا المطروحة من الأسرة ككل وليس من فئة عمرية محددة، فالطفل في الدراما يختصر الكثير من المعاني فهو يتأثر بسرعة ويتفاعل بعفوية ويطرح أسئلة قد تبدو بسيطة لكنها في الحقيقة جوهرية، وهذه الأسئلة تفتح باب الحوار داخل البيوت وتجعل المشاهد يعيد التفكير في بعض السلوكيات أو القرارات.
وتؤكد: لكن في الوقت نفسه أؤمن أن إشراك الأطفال في الأعمال الدرامية يتطلب حساسية عالية في الكتابة والإخراج، يجب أن تُراعى أعمارهم وأن تُحفظ براءتهم وألا يُحمَّلوا أدوارًا تفوق طاقتهم النفسية، والدراما مسؤولية أخلاقية خصوصًا عندما يكون الطفل جزءًا منها لأن الصورة التي تُعرض على الشاشة قد تترسخ في وعيه ووعي غيره. ومن وجهة نظري حين يُقدَّم الطفل كشخصية فاعلة لا هامشية فإن ذلك يعزز قيمة العمل، فالطفل يمكن أن يكون عنصر توازن داخل الأحداث أو نقطة تحوّل تدفع الشخصيات الأخرى إلى مراجعة مواقفها، كما أن وجوده يعكس واقع المجتمع لأن الأطفال حاضرون في كل بيت، ولا يمكن تجاهل تأثير ما يحدث حولهم عليهم.
وتقول إن الأعمال التي تمنح الطفل مساحة حقيقية للتعبير وتُظهر مشاعره وتساؤلاته بصدق تلامس شريحة أوسع من الجمهور، ونحن بحاجة إلى دراما تراعي الأسرة كوحدة متكاملة وتفهم أن الطفل ليس مجرد متفرج على حياة الكبا بل متأثر بها ومشارك فيها بطريقته الخاصة، وفي النهاية، أرى أن مشاركة الأطفال في الدراما خطوة إيجابية إذا جاءت ضمن رؤية واضحة تحترم إنسانية الطفل وتوظف وجوده لخدمة الفكرة لا لاستغلال العاطفة، فالدراما الناجحة هي التي توازن بين الرسالة الفنية والمسؤولية الاجتماعية وتدرك أن كل مشهد يُعرض يحمل أثرًا يتجاوز الشاشة.

