محمد بن عيسى البلوشي
تتطلب المرحلة الاقتصادية المقبلة دورا أكبر في تفعيل اقتصاد المحافظات على مستوى سلطنة عمان، ليس لأنها تشكل ثقلا في سلة الاقتصاد الكلي فحسب بل لأن هناك ميزة نسبية في كل محافظة من المهم أن نستثمرها ونحصد ثمارها. ومن الملاحظ أن بعض المحافظات بدأت تهتم في هذه المسألة عبر بحث أفضل القنوات والمشاريع المفضية إلى تعظيم الإقتصاد المحلي.
لا شك أن المهرجانات والفعاليات السياحية والثقافية والرياضية والاجتماعية تلعب دورا في تفعيل الجوانب الاقتصادية في كل بقعة جغرافية يتم التنفيذ فيها، ولكن ما أردنا أن نذهب إليه هو أن مفهوم الاقتصاد أعمق من هذه الممارسات المحمودة، لنصل إلى المشاريع الصناعية والاستثمارية واللوجيستية وتوظيف الموارد الطبيعية وتأهيل الكوادر البشرية، فطموحنا يذهب إلى ايجاد اقتصاد مولد للفرص المستدامة.
من خلال اطلاعنا على امكانات بعض المحافظات الساحلية كمحافظة جنوب الشرقية نجد أن هناك فرصا اقتصادية يمكن لمكتب المحافظ الاهتمام بها بشكل أكبر، وهو إنشاء ميناء بحري تجاري في مدينة صور الصناعية يعمل على جذب المشاريع الصناعية والاستثمارية والتجارية الكبرى، فبمثل هذا المشروع الاستراتيجي تتطور الملامح الاقتصادية لمحافظة جنوب الشرقية خصوصا والسلطنة عموما.
إن التكامل الاقتصادية الذي نتطلع إلى صناعته عبر اقتصاد المحافظات، يتطلب العمل وفق منهجية اقتصادية استراتيجية تعمل على اقتناص الفرص،ونستشرف مع تطورات المنظومة الاقتصادية العمانية بإستحداث وحدة أساسية في مجلس الوزراء الموقر يعني بقيادة الاقتصاد العماني، مرحلة اقتصادية دقيقة بدخولنا في الخطة الخمسية (2026-2030) يتطلب معها إعادة تموضع القوى الاقتصادية بكافة مساراتها.
في مقالات سابقة أكدنا فيها الدور الذي تطلع إليه الحكومة من إنشاء مكاتب المحافظين في جوانبه الادارية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وأشرنا إلى أهمية تطوير أدوات المؤسسات الخدمية في المحافظات لتمكين التوجهات الإقتصادية، وما يجب على المجالس البلدية ومكاتب المحافظين أن تتبناه وفق رؤية وطنية تستقرأ معها الفرص ومتطلبات واحتياجات أصحاب المصلحة (صناعيون، تجار، عقاريون، مستثمرون).
ونستطيع القول أنه حان الوقت لأن تنشئ الحكومة وحدة تُعنى بالقيمة المحلية الاقتصادية وتكون كمديرية عامة ملحقة بمكاتب المحافظين، تعمل على اكتشاف الفرص وتذلل التحديات وتنسق بين الأطراف والجهات ذات العلاقة وتتابع عن كثب البرامج الاقتصادية في المحافظة لتمكينها وفق مخطط إستراتيجي.
نتفق أن هناك فرصا اقتصادية في محافظاتنا وفق رؤية نستطيع من خلالها أن نتموضع لتمكين الدور الاقتصادي ونستكشف آفاقا أرحب في مجالات صناعة السياحة والتجارة والثقافة والتعدين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويحتاج ذلك إلى إعادة النظر في الشكل المناسب لتحقيق تلك الغايات.
ونستحضر هنا المرئيات الوطنية نحو تحقيق الغاية الأهم بتنويع الاقتصاد المحلي للمحافظات، وهو ما يفضي إلى إنشاء أعمال ومنتجات اقتصادية جديدة في السوق المحلية، وإيجاد فرص للعمل عبر بوابات استثمار المقومات، وتطوير الصناعات التحويلية، وتعزيز وتنمية القطاع اللوجيستي، وتمكين بيئة الأعمال المحلية، وتطوير الموارد البشرية.
إن المديرية العامة للاقتصاد في مكاتب المحافظين ستعمل على اكتشاف الفرص الاقتصادية والاستثمارية في جميع المسارات، وتعزز القائم منها وترفع أدائه وكفاءته، وتراجع كل السبل التي تمكّن القرار الاقتصادي من التحقيق والتنفيذ وفق رؤية مجتمعية داعمة ومنفذة. ولا أخفي سرا إذا ما أشرت إلى أن إعادة النظر في بعض أجزاء العمل وتبني استراتيجيات تخطيط وتنفيذ مبتكرة سوف يساعد في الوصول إلى الغايات والأهداف الوطنية.
لا شك أنَّ تطلعات الحكومة وفق رؤيتها نحو “عُمان 2040” في أن تلعب المحافظات دورًا محوريًا في تنمية اقتصادها، هو أمر حميد ومطلب مجتمعي يضفي إلى اقتصاد قطري، القدرة على صناعة الفرص واستثمار المقدرات والجهود الممكنة، ويتطلب ذلك وجود قيادات توجه الدفة الاقتصادية بكل تمكين وحرص، وتقتنص الفرص بعين ثالثة وفاحصة، وتعمل على ضبط الإجراءات بما يتوافق مع الرؤية الاقتصادية للمحافظة خاصة والسلطنة عمومًا.
والعمل الذي نتطلع أن تقوم عليه المحافظات خلال المرحلة المقبلة، هو النظر إلى مكامن القوة الاقتصادية والاستثمارية سواء على مستوى المشاريع العملاقة وتلك المتوسطة والصغيرة، وأن تضع يدها على إمكانيات المحافظة لتمكين قيام المشاريع الإقتصادية والإستثمارية المولدة للفرص والتي تنطلق فكرتها من الداخل إلى الخارج.
وهنا نؤكد على دور أعضاء المجالس البلدية في المحافظات أن تتهيأ لهذه المرحلة الإقتصادية الدقيقة، خصوصا ونحن على أعتاب مرحلة إنتخابات، وأيضا على المحافظين دور في ترشيح كفاءات إقتصادية من أبناء المحافظة لشعل الكراسي المخصصة لهم، وذلك حتى تتوافق الرؤى للمرحلة المقبلة والتي ستتمكن بمشيئة الله تعالى وعونه من تحقيق الغايات الإقتصادية الوطنية.
