وفاء الحنشي – شؤون عُمانية
تُعدّ “أيام الشارقة التراثية” منارة ثقافية وحدثاً بارزاً يعكس رؤية إمارة الشارقة في صون الموروث الإنساني ونقله للأجيال القادمة. وفي دورتها الثالثة والعشرين، التي نظمها معهد الشارقة للتراث في الفترة من 4 إلى 15 فبراير 2026، انطلقت الفعاليات تحت شعار “وهج الأصالة”. لم يقتصر هذا الحدث على كونه احتفالية محلية، بل تجاوزه ليصبح منصة عالمية للحوار الثقافي، حيث اجتمعت الرؤى المعاصرة مع الجذور التاريخية لترسيخ الهوية الوطنية والانفتاح المتوازن على حضارات العالم.
البرتغال: ضيف شرف الدورة وحوار الذاكرة والمستقبل
تألقت جمهورية البرتغال كضيف شرف لهذه الدورة، في خطوة تتزامن مع الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والبرتغال. وجاءت المشاركة البرتغالية تحت رؤية “التراث الحي: حوارات بين الذاكرة والمستقبل”، حيث لم تكتفِ بعرض الماضي، بل قدمت التراث كمادة حية وقابلة للتجدد من خلال إشراك الشباب بوصفهم شركاء في صياغة التراث.
سلّط الجناح البرتغالي الضوء على التقاطعات التاريخية والثقافية العميقة بين العالم الإسلامي والثقافة البرتغالية—والتي تتجلى بوضوح في العمارة، واللغة، والممارسات اليومية—مقدماً نموذجاً أكاديمياً وتاريخياً يبرز كيف يمكن للإرث التاريخي الممتد لأكثر من 500 عام أن يُلهم الإبداع المعاصر.
المشاركة الدولية: العالم يجتمع في الشارقة
شهدت الدورة الـ23 تنوعاً ديموغرافياً وثقافياً استثنائياً، حيث سجلت حضور ومشاركة أكثر من 26 دولة ممثلة لقارات أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، إلى جانب المشاركة الخليجية والعربية الواسعة (ومن بينها دول كالمغرب، الصين، ألمانيا، وهولندا وغيرها من الدول التي حرصت على التواجد). قدمت هذه الدول عبر وفودها وفرقها الشعبية عروضاً حية تعكس عاداتها وتقاليدها، مما حوّل ساحات الفعاليات إلى متحف إنساني مفتوح يعزز من قيم التسامح والتبادل المعرفي بين شعوب الأرض، ويؤكد مكانة الشارقة كعاصمة عالمية للتراث.
الأقسام والمقرات الرئيسية
امتدت الفعاليات لتشمل سبع مدن ومناطق في إمارة الشارقة (مدينة الشارقة، خورفكان، كلباء، دبا الحصن، مليحة، الذيد، والحمرية)، وتمركزت الفعاليات الكبرى في الوجهة التاريخية “قلب الشارقة” (ساحة الأيام). وقد صُممت الأقسام بعناية لتغطية كافة جوانب الموروث:
سوق الكتب (سوق الكتاتيب): شكّل منارة معرفية للباحثين والأكاديميين، بمشاركة دور نشر متميزة (مثل منشورات القاسمي ومكتبة الموروث التابعة للمعهد، ودار التراث الشعبي)، لتقديم أمهات الكتب في التاريخ والدراسات الأنثروبولوجية.
المقهى الثقافي: الحاضنة الفكرية للمهرجان، حيث استضاف نخبة من المفكرين والباحثين والأكاديميين في بيت النابودة الذي يحمل بين طياته ذاكرة تراثية لم تنطفئ .
قرية الحرف التقليدية: قسم تفاعلي يضم حرفيين من مختلف دول العالم لتقديم عروض حية لمهن الأجداد واستعراض طرق الحفاظ عليها.
مطبخ الأيام: صُمم لتوثيق ثقافة الطعام الشعبي الإماراتي والعالمي كجزء أصيل من التراث غير المادي.
البيئات الإماراتية المتنوعة: تقديم محاكاة حية للبيئات التاريخية في الدولة (البحرية، البدوية، الجبلية، والزراعية) وطرق التكيف معها.
أركان الأطفال: مساحات تعليمية وتثقيفية مخصصة لغرس قيم الأصالة والتعريف بالألعاب الشعبية للأجيال الناشئة.
الفعاليات والبرامج الفكرية المرافقة
تجاوزت الفعاليات حاجز الـ 1000 فعالية تنوعت بين الطابع الأكاديمي والترفيهي، ومن أبرزها:
البرنامج الفكري والأكاديمي: تنظيم 14 ندوة علمية متخصصة ناقشت قضايا التراث غير المادي وسُبل حمايته في ظل التحولات الرقمية، بالإضافة إلى 15 حفل توقيع لإصدارات ثقافية جديدة.
العروض الميدانية والفنية: شملت مسرحيات تراثية، وعروضاً للسينما ، واستعراضات الفرق الشعبية العالمية الموزعة في ساحة الأيام.
المسابقات التراثية والتفاعلية: مثل مسابقات الألعاب الشعبية (كبطولة الدامة)، و التصوير الفوتوغرافي والفنون التشكيلية، واستعراض قوافل الخيل والإبل التي وثّقت أساليب الحياة قديماً.
ختاماً، لقد أثبتت “أيام الشارقة التراثية” في دورتها لعام 2026 أنها ليست مجرد مساحة لاسترجاع الماضي، بل هي مشروع ثقافي وفكري متكامل ومستدام. من خلال التنظيم المتقن لمعهد الشارقة للتراث، وبمشاركة دولية واسعة توّجت بالبرتغال كضيف شرف، نجحت الشارقة مجدداً في مد جسور التواصل الإنساني، مؤكدة للأوساط الأكاديمية والثقافية أن التراث هو الوعاء الأهم لحفظ الذاكرة الجمعية وتوجيه بوصلة المستقبل بنجاح وإلهام.
