أحمد الجلنداني
Sahafa333@gmail.com
كان خيار الانتقال المبكر عن دارجيلنج لاكتساب الوقت واستغلاله في زيارة مكان آخر هو ما اخترته فحزمت حقيبتي والحزن يغمرني وأنا أفوّت هذا المكان الرائع المذهل حقا في رحلة يخترق طريقها غابة جميلة رافقها المطر منذ بدايتها وحتى نهايتها التي كانت في منطقة سيليجوري، ومنها اكتريت دراجة هوائية كهربائية أقلتني إلى باجدجورا والفندق الذي انتقيته ليكون قريبا من المطار الذي غادرت منه إلى دلهي اليوم الموالي والذي حاولت فيه تجفيف ملابسي وأوراقي التي بللها المطر خلال الرحلة من دارجيلنج إلى سيليجوري رغم أن الحقيبة كانت مغطاة فوق سقف سيارة الدفع الرباعي التي أقلتنا!
حرصت في المساء قبل سفري إلى دلهي على التجوال في المكان كعادتي فذهبت إلى سوق المطار كما يسميه الأهالي هناك ، وكان سوقا متواضعا استمتعت فيه بمشروب منعش لمزيج من الأناناس والبرتقال الحلو ، ثم آثرت العودة مشيا على وقع المطر وذهبت الى المطاعم الشهيرة في مدن الهند بوجبات البرياني اللذيذة التي تطمئن إليها نفوس المرتحلين المسلمين مثلي خوفا من شبهة الحرام كون أغلب مالكي هذه المطاعم أو المشتغلين عليها من المسلمين.
اليوم التالي كانت المفاجأة المزعجة لتأجيل شركة طيران (سبايس جت) رحلتها من الساعة الثامنة أولا حتى الثانية عشرة، ومرة أخرى إلى الساعة الواحدة حيث ظللنا أنا وركاب ذات الرحلة المؤجلة – ربما لوضع الطقس – رهائن المطار إلى أن حلقت بنا الطائرة بعد الواحدة ظهرا إلى العاصمة نيودلهي التي كانت منها محطة الانطلاق إلى رحلتي الأولى في شرق الهند وتحديدا ولايتي سيكيم وبنغال الغربية ، وأيضا إلى رحلتي الثانية والأخيرة وهي بحيرة نينيتال في ولاية أوتارانتشال شمال الهند التي كنت متشوقا لزيارتها منذ سنين مضت بعدما قرأت عن جمالها نفسي تاقت لزيارتها.
كان خيار الارتحال بالطائرة هو الخيار الأفضل للوصول إلى مطار ولاية أوتارانتشال المسمى بانت نجار وذلك لعدم توفر رحلات القطار في ذلك اليوم ولاستبعاد النقل البري بسبب الازدحام والوقت الزمني الطويل الذي تستغرقه الرحلة بالبر هذا إذا كنت محظوظا وكان الطريق سالكا ؛ وإلا ستتضاعف ساعات الرحلة إذا كان الطريق مزدحما أو متوقفا بشكل نهائي نتيجة الإنهيارات الأرضية .
يبعد مطار بانت نجار الذي حطت على مدرجاته طائرتنا مسافة ليست بالقريبة عن مقصدي الأخير بحيرة نينيتال ، ويحتم على المسافرين التشارك مع بعضهم للتقليل من تكلفة الأجرة المرتفعة للشخص الواحد إن هو اكترى سيارة الأجرة بنفسه المغالى فيها والتي ربما لا تخلو من استغلال ، وهو الأمر الذي فعلناه أنا وزوجين هنديين لتمرق بنا السيارة مدينة هالدواني مخترقة غابة جميلة المناظر وصولا إلى نينيتال الجميلة .
كانت مدة الرحلة قرابة الساعتين وصلنا بعدها إلى البحيرة في أعالي الجبال إذ الاكتشاف الأول للبحيرة وللأفواج البشرية التي ملأت أرجاء المكان لدرجة يصعب معها المشي في بعض الأحيان.
كانت المهمة الأولى لي بعد وصولي البحث عن فندقي وسط هذا الزخم البشري والمكاني المتكتل على حواف البحيرة ، والحقيقة أن مسألة العثور على فندق ما في الهند أقل تقريبا من فئة خمسة نجوم يحجز عبر أي موقع إلكتروني؛ أصبحت أمرا بالغ التعقيد ولي فيه تجارب مريرة ، إذ عادة لا يتمكن أصحاب سيارات الأجرة من الوصول إليها رغم عناوينها المرصوصة وإذا حاولت الاتصال على رقم الهاتف المكتوب تصادف بأنه لمكان آخر، أو أنه رقم خاطئ ، أو لا يـرد أحـد أصلا على اتـصالاتك المتوالـية عليه، هذا إن توفر أصلا على تطبيق الحجز !
وإذا كان المسافر محظوظا، واستطاع الوصول إلى الفندق فلا غرابة أن تعلو الدهشة قسمات وجهه حين يبادره موظفو الاستقبال هناك باستحالة استقباله لأنه ليس مواطنا هنديا! وهذه الظاهرة في التعامل مع بعض الفنادق في الهند بدأت بالظهور عقب جائحة كورونا حتى وإن كان لدى المسافر حجزا سابقا لا يتم يعلم بالأمر والاعتذار إليه بدل عناء البحث وخسارة الوقت . بل الأدهى من ذلك أن تصل لفندقك المحجوز لتفاجأ بأن الفندق نفدت غرفه جميعها رغم حجزك المؤكد! أو قد يلغى حجزك المؤكد هكذا دونما سابق إنذار أو إخطار ! اضافة إلى المعلومات المضللة في بعض الأحيان عن قرب موقع الفندق من مركز المدينة، أو عن مساحة الغرف ومرافقها، أو تجد فندقا يحمل مسميين أو ثلاثة مسميات وبحجوزات مختلفة للغرف ذاتها تقريبا وكلها احتمالات لا تجدها إلا في الهند على ما يبدو!
كان البحث عن سيارة أجرة وسط ذاك الازدحام صعبا وأخيرا أفضى بي الحال بنصيحة أحدهم أن أتفاوض مع سائقي الدراجات النارية الذين يقومون بدور مركبات الأجرة في الكثير من أنحاء الهند، ومنها نينيتال بعد محاولات فاشلة لتحديد موقع الفندق اتفقنا على أن يقلني جزافا إلى هناك، ومع ابتعادنا كثيرا عن البحيرة أدركت أن موقع الفندق ليس بقريب منها كما هو مزعوم في مواصفات الفندق على (موقع بوكنج) فاقترحت على سائق الدراجة أن يصحبني إلى فنادق أخرى أقرب إلى البحيرة وبالفعل حططت رحالي في أحدها كان يتميز بإطلالة جميلة على البحيرة من عل وبعد بعض الشئ وحجزت غرفة واسعة لاستمتع بجمال المنظر .
ذهبت بعدها إلى مكان قريب يحوي جامعا ومجموعة مطاعم يديرها مسلمون فأخذت ما لذ وطاب من الطعام والأرز ثم عدت أدراجي وأنا محمل بكيس فاكهة من منتجات البحيرة اشتريتها من أحد محلات بيع الفاكهة في السوق الذي دلفت منه إلى فندقي حيث أخذت قسطا من الراحة حتى حلول الليل.
