محمد جواد أرويلي/كاتب و صحفي إيراني
في ضوء التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الإيرانيين عقب الجولة الجديدة من المحادثات الايرانية الامريكية في سلطنة عمان، يتضح أن جوهر الخلاف الأساسي في هذه المحادثات لا يزال يتمحور حول قضية تخصيب اليورانيوم، باعتبارها العقدة الأكثر تعقيدًا وحساسية في مسار التفاوض. فعلى الرغم من تعدد الملفات التقنية والسياسية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، فإن مسألة التخصيب تمثل النقطة التي تتقاطع عندها الاعتبارات السيادية الإيرانية مع الهواجس الأمنية الأمريكية والغربية، ما يجعلها العائق الأبرز أمام أي اختراق حقيقي في المفاوضات.
تُظهر المعطيات المتاحة أن الولايات المتحدة ما زالت تصر على ما يمكن وصفه بسياسة «تصفير التخصيب» داخل الأراضي الإيرانية، سواء عبر وقف كامل لعملية التخصيب، أو نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، أو حصر التخصيب في منشآت خارج إيران. في المقابل، تعلن طهران بوضوح استعدادها للنقاش حول نسب التخصيب ومستوياته، بل وحتى التراجع عنها ضمن ترتيبات تفاوضية، شريطة رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وضمان انتفاعها الفعلي من أي اتفاق يتم التوصل إليه. إلا أن إيران تضع خطًا أحمر واضحًا عند مبدأ القبول بحقها في التخصيب نفسه، وتؤكد أن هذا الحق يشكل الأساس الذي لا يمكن لأي مفاوضات أن تنطلق من دونه.
في هذا السياق، شدد مسؤولون إيرانيون، وفي مقدمتهم وزير الخارجية، على أن إيران لن تقبل أي صيغة تفاوضية تُفرغ برنامجها النووي من مضمونه، معتبرين أن التخصيب ليس موضوعًا تقنيًا قابلاً للإملاء، بل حق سيادي لا يحق لأي طرف خارجي مصادرته. وقد ذهبت بعض التصريحات إلى حد التأكيد على التمسك بالبرنامج النووي السلمي مهما بلغت كلفة الضغوط، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن التنازل القسري عن هذا الحق يُعد أمرًا غير وارد حتى لو أدى ذلك إلى تصعيد خطير. وتؤكد طهران أن مطالبتها بتصفير التخصيب تفتقر إلى أي أساس قانوني، خاصة في ظل التزاماتها المعلنة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وتحرص إيران في مواقفها الرسمية على التأكيد أن المحادثات الجارية تقتصر حصرًا على الملف النووي، وأنها ترفض توسيع نطاق التفاوض ليشمل ملفات أخرى كالدور الإقليمي أو القدرات الدفاعية. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستكتفي، في حال التوصل إلى تفاهم نووي، بما تحقق، أم أنها ستسعى لاحقًا إلى فرض شروط إضافية تتعلق بملفات أخرى. ويزداد هذا الغموض في ظل تجارب سابقة ترى فيها طهران دليلًا على أن تقديم تنازل في ملف واحد قد يفتح الباب أمام مطالب متجددة في ملفات أخرى.
ويبدو أن جزءًا من المقاربة الأمريكية الراهنة يستند إلى تقدير مفاده أن التطورات الأمنية الأخيرة، بما في ذلك المواجهة العسكرية المحدودة التي استمرت نحو 12 يومًا، إضافة إلى تفعیل آلية الزناد والاضطرابات الداخلية وأعمال الشغب التي شهدتها إيران موخرا، قد أضعفت موقف طهران إلى حد يجعلها أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات جوهرية، وعلى رأسها التخلي عن التخصيب داخل البلاد. إلا أن الخطاب الإيراني الرسمي يسعى إلى نفي هذا التصور، مؤكدًا أن الضغوط، مهما بلغت حدتها، لم تُفضِ تاريخيًا إلى تغيير في الثوابت الاستراتيجية، بل على العكس عززت منطق التمسك بها.
وتُعد قضية تخصيب اليورانيوم في إيران واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهدين الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع الاعتبارات التقنية مع الأبعاد السياسية والسيادية. فإيران تنظر إلى اليورانيوم المخصب بوصفه المكون الحيوي لتشغيل المفاعلات النووية، وتؤكد أن التخصيب يخدم أهدافًا سلمية بحتة، تشمل إنتاج الطاقة الكهربائية، وتطوير الطب النووي، ودعم قطاعات صناعية وزراعية، وذلك في إطار التزاماتها بمعاهدة حظر الانتشار النووي. ومن المنظور التقني، ترى طهران أن البرنامج النووي من دون قدرة على التخصيب يفقد جدواه، تمامًا كما تفقد المركبة قدرتها على الحركة من دون وقود.
وخلال العقدين الماضيين، طورت إيران بنية تحتية متقدمة في مجال تخصيب اليورانيوم، وبلغت في بعض المراحل، خصوصًا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، مستويات تخصيب وصلت إلى نحو 60% وتؤكد القيادة الإيرانية أن هذا المسار كلف البلاد أثمانًا باهظة، شملت عقوبات اقتصادية قاسية، وعمليات تخريب، واغتيال عدد من علمائها النوويين، ما حوّل التخصيب في الوعي السياسي الإيراني إلى رمز للكرامة الوطنية والسيادة في مواجهة الضغوط الخارجية.
وتستند إيران في دفاعها عن موقفها إلى المادة الرابعة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تكفل للدول الأعضاء الحق في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية، بما في ذلك امتلاك دورة الوقود النووي كاملة.
ومن هذا المنطلق، تعتبر طهران أن أي مطالبة بوقف التخصيب خارج إطار هذه المعاهدة تمثل انتقاصًا من حقوقها القانونية، خاصة أن دولًا غير نووية أخرى تمتلك قدرات تخصيب وتعمل ضمن الإطار القانوني ذاته من دون أن تتعرض للضغوط نفسها. وترى إيران أن التخلي عن هذا الحق لا يعني خسارة تقنية فحسب، بل يُعد تفريطًا بسيادة علمية وسياسية يصعب تعويضها، ويفتح الباب أمام مطالب مستقبلية أشد.
كما تنظر طهران إلى امتلاكها لقدرات نووية متقدمة، وفي مقدمتها تقنية تخصيب اليورانيوم، بوصفه عنصرًا من عناصر الردع غير النووي. فوفقًا لعقيدتها المعلنة، التي تستند إلى فتاوى دينية تحرّم إنتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل، تؤكد إيران أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، لكنها ترى في امتلاك المعرفة النووية بحد ذاته مصدر قوة يضمن لها موقعًا متقدمًا في التوازنات الإقليمية والدولية.
في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن تمسك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم يتجاوز كونه خيارًا تقنيًا أو تفاوضيًا، ليشكل معادلة سيادية تعتبرها غير قابلة للمساومة. فالتخصيب، من وجهة النظر الإيرانية، بات جزءًا من الهوية الوطنية الحديثة، وعنوانًا لاستقلال القرار السياسي والعلمي، ومؤشرًا على رفض الوصاية الخارجية.
