سالم بن علي العريمي/ كاتب عماني
في المنطقة التي تتحول فيها كل قضية الى صراع اعلامي قبل ان تصبح ملفا سياسيا، تصبح مسقط مكانا مختلفا ، ليست عاصمة تتسابق على الظهور في وسائل الاعلام، ولا ساحة تدار فيها الملفات عبر التصريحات والتلميحات. هنا لا يحتاج التفاوض الى شهرة، بل الى هدوء ، هذا هو سبب تكرار اختيار مسقط عندما تغلق الابواب وتشتد الازمات.
في اماكن اخرى، يتحول التفاوض الى عرض كل خطوة تتسرب قبل ان تنجز ، وكل لقاء يتحول الى مادة لتصنيع السرديات ، يتوقف الطرفان عن التفاوض الحقيقي خوفا من ان تستغل كلماتهما ضدهما، أو من ان يفهم اللقاء كتحالف جديد ، وفي ظل هذا الواقع، يصبح اي تقدم صغير معرضا للتفجير بمجرد ان يصل الى الاعلام. مسقط تختلف هنا ، فالسرية ليست ترفا، بل هي شرط و هي حماية للعملية نفسها عندما لا تكون هناك تسريبات، يمكن للطرفين ان يتحدثا بصراحة اكثر،ويجربا افكارا بدون ان يشعروا ان كل كلمة ستستخدم لاحقا في حرب نفسية.
السرية في مسقط لا تعني ان الامور تُخفي، بل تعني ان التفاوض يبقى داخل اطاره. هذا يتيح للطرفين ان يخرجا من دائرة التظاهر ويعودا الى جوهر المشكلة. في كثير من الاوقات لا يكون الخلاف على الحقائق بقدر ما يكون على الصورة العامة. وكل طرف يريد ان يظهر بمظهر المنتصر او الضحية. وفي مسقط، يُزال هذا الضغط. يمكن ان يكون هناك حوار حقيقي، لان الاطراف لا تقلق من ان تُفسر خطوة على انها ضعف او تنازل قبل ان تتضح النية.
الحياد هو العامل الثاني الذي يجعل مسقط ملاذا للتفاوض. عُمان ليست طرفا في محاور المنطقة، ولا تحمل تاريخا من الاصطفافات التي تجعل الاطراف تتردد في التواجد في عاصمتها. الحياد هنا ليس مجرد شعار، بل هو سلوك دبلوماسي متجذر. هذا يجعل من مسقط مكانا مقبولا للجميع، حتى لمن يخشون ان يُتهموا بالتقارب مع خصمهم. في ملفّات كثيرة، يكون الخوف من المظهر هو ما يمنع التفاوض. عندما يكون اللقاء في بلد محايد، يخف هذا الخوف، ويستطيع الطرفان ان يلتقيا بدون ان يقرأ الجمهور اللقاء على انه انحياز.
واذا كان الامر يتعلق بالضغط الاعلامي، فمسقط تقدم ما لا تقدمه عواصم اخرى: فرصة لعدم الانجرار الى السجال العام. في دول كثيرة، لا يمكن للتفاوض ان يستمر دون ان يصبح جزءا من النقاش السياسي الداخلي، فيصبح كل طرف مضطرا للرد على الداخل قبل ان يرد على الطرف الآخر. هذا النوع من الضغط يقتل اي احتمال للتقدم. في مسقط، لا توجد هذه اللعبة. لا يطلب من احد ان يعلن موقفا جاهزا، ولا يطلب منه ان يقدم تنازلات للتصوير. يمكن للاطراف ان تشتغل في هدوء، وتعيد ترتيب اولوياتها، وتبحث عن نقاط مشتركة بدون ان يكون هناك جمهور يراقب كل خطوة.
لا يعني هذا ان مسقط تملك حلولاً جاهزة او ان التفاوض فيها ينجح دائما. لكن ما تقدمه هو بيئة مختلفة، بيئة لا تستهلك التفاوض في الصراع الاعلامي قبل ان يبدأ. في المنطقة التي يُختزل فيها كل شيء الى بيان او تغريدة، تصبح المساحة التي يمكن فيها التفاوض بهدوء نادرة وقيمة. لهذا تتكرر مسقط في خرائط الوساطات عندما تُغلق الابواب في مكان آخر.
في النهاية، ليس المهم ان تكون العاصمة اقوى او اكبر، بل ان تكون مكانا يسمح للحوار ان يعود الى طبيعته. في زمن الصراعات الاعلامية، تكون المساحة التي تفضل الصمت هي الاكثر قدرة على انتاج الحلول. وهذا هو ما تقدمه مسقط: صمت لا يعني غياب الدور، بل يعني ان التفاوض يستطيع ان يشتغل بعيداً عن الضجيج
