محمد حسين ترحيني – باحث لبناني
الجهل ليس مجرد غياب للمعرفة، بل هو حالة ذهنية ووجودية تُنتج وهم الاكتفاء، وتمنح العقل الكسول طمأنينة زائفة. أخطر أشكاله لا يتمثل في الجهل الصريح، بل في الجهل المتخفّي بلباس العلم، والمتكئ على النصوص وهيبة التراث دون وعي بسياقاتها أو مقاصدها. هنا يتحول التفكير إلى تكرار، والعقل إلى أداة استنساخ، وتُغلق أبواب السؤال باسم اليقين الجاهز.
حين يقترن الجهل بالتقليد الأعمى، يُختزل الإنسان إلى صدى للماضي، يلوك أحكام السلف دون إدراك لظروف نشأتها أو صلاحيتها لعصره. في هذه الحالة، يفقد النص روحه المقاصدية ويُحوَّل إلى صنم لغوي، ويُفرَض التراث كحقيقة نهائية لا تقبل المساءلة. لا يعود التقليد استلهامًا نقديًا، بل يتحول إلى عاهة فكرية تُلغي الذات العاقلة، وتجعل السؤال خيانة، والاجتهاد بدعة، والاختلاف تهديدًا للهوية.
غير أن التقليد، في ذاته، ليس مرفوضًا إذا كان وفاءً واعيًا للأصول ومجالًا للتجدد. فالسلف في لحظاتهم الخلّاقة لم يكونوا مقلدين، بل مجتهدين، خاضوا مغامرة المعنى في أفق زمانهم. أما الجمود، فلا يحفظ التراث بل يقتله، لأنه يحنّط المعنى ويمنعه من التنفس في سياقه الجديد. وهكذا يُختزل الدين إلى طقوس خاوية، ويُختصر الفكر إلى آليات ميكانيكية تعيد إنتاج نفسها.
الجهل المقنّع ليس ظاهرة فردية فحسب، بل بنية سوسيوثقافية تتغذّى من تواطؤ مؤسسات دينية وتربوية وسياسية، ترى في العقل المروّض ضمانة للاستقرار والهيمنة. في هذا السياق، يصبح الامتثال فضيلة، والنقد خيانة، ويتجسد ما يسميه بيير بورديو بـ«العنف الرمزي»، حيث تُفرض أنماط التفكير المهيمنة كحقائق طبيعية لا تُسأل.
الأخطر أن الإنسان لا يفقد قدرته على التفكير فقط، بل يفقد وعيه بهذا الفقدان، فيستكين إلى راحة ذهنية تُغنيه عن مشقة السؤال. والخلاص لا يكون بقطيعة جذرية مع التراث، بل بقطيعة معرفية مع أنماط التفكير الجامدة، عبر إخضاع الموروث لاختبار المعنى والسياق. تحرير العقل، في جوهره، هو إعادة أنسنة الإنسان، وإرجاعه إلى مركز الفعل التاريخي، ليصبح منتجًا للمعنى لا مستهلكًا له.
فالمشكلة ليست في الارتباط بالماضي، بل في السماح له بأن يتحول إلى مستقبل مغلق.
