محمد جواد أرويلي/ كاتب و صحفي إيراني
في كل جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، يعود سؤال المكان ليطرح نفسه بوصفه عنصرًا سياسيًا لا يقل أهمية عن جدول الأعمال أو هوية الوسطاء. فالإصرار الإيراني المتكرر على أن تكون سلطنة عُمان هي الدولة المضيفة لهذه المحادثات، بدلًا من عواصم إقليمية أخرى ، لا يمكن فهمه على أنه تفصيل بروتوكولي أو تفضيل لوجستي عابر، بل يعكس قراءة إيرانية عميقة لطبيعة البيئة التفاوضية المطلوبة في ملفات شديدة الحساسية والتعقيد.
تنطلق هذه القراءة أولًا من طبيعة الدور الذي لعبته مسقط تاريخيًا في العلاقة الإيرانية–الأمريكية. فقد رسّخت سلطنة عُمان، عبر عقود من الدبلوماسية الهادئة، صورة الوسيط الموثوق القادر على توفير قناة تواصل مستقرة ومنخفضة الضجيج بين خصوم لا تربطهم علاقات دبلوماسية مباشرة. هذا الدور لم يكن قائمًا على مبادرات إعلامية أو تحركات سياسية صاخبة، بل على بناء ثقة تراكمية جعلت من مسقط فضاءً آمنًا لتبادل الرسائل وبلورة التفاهمات الأولية بعيدًا عن الضغوط العلنية والتجاذبات الإقليمية.
إلى جانب هذا الإرث، تنظر طهران إلى عُمان بوصفها دولة تلتزم حيادًا إيجابيًا لا يختزل الوساطة في نقل المواقف، بل يهدف إلى حماية منطق الحوار ذاته. فالمقاربة العُمانية للأمن الإقليمي، القائمة على رفض سياسات الإقصاء والعزلة، تتقاطع إلى حدٍّ بعيد مع الرؤية الإيرانية التي ترى أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق من خلال تهميش القوى الفاعلة أو السعي إلى تحييدها بالقوة. هذا التقاطع المفاهيمي يمنح إيران شعورًا بأن استضافة المحادثات في مسقط تعني العمل ضمن بيئة سياسية لا تشكك في شرعية الحوار مع طهران ولا تتعامل معه كتكتيك مؤقت، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد.
ويكتسب اختيار عُمان بعدًا إضافيًا حين يُقارن بدول أخرى مرشحة لاستضافة مثل هذه المحادثات. فتركيا، على الرغم من علاقاتها الدبلوماسية المفتوحة مع كل من إيران والولايات المتحدة، تُعدّ فاعلًا إقليميًا صاحب أجندات متشابكة ومصالح مباشرة في عدد من ملفات النزاع الإقليمي. هذا الدور النشط، وإن كان يمنح أنقرة هامش حركة أوسع، إلا أنه يثير لدى طهران تساؤلات حول قدرة الدولة المضيفة على الفصل الكامل بين دورها كوسيط أو مضيف وبين حساباتها السياسية والأمنية الخاصة، ولا سيما في ظل تنافس إقليمي متصاعد وتوازنات دقيقة لا تحتمل الغموض.
في المقابل، حافظت سلطنة عُمان على نهج يقوم على تقليص كلفة التداخل السياسي والأمني في مسارات الوساطة، وهو ما يجعلها بالنسبة لإيران خيارًا أكثر اطمئنانًا في الملفات التي تتداخل فيها الاعتبارات النووية والعقوبات والضغوط الإقليمية. فالمحادثات الإيرانية–الأمريكية لا تجري في فراغ، بل في سياق إقليمي شديد الحساسية، تلعب فيه إسرائيل دورًا فاعلًا في محاولة التأثير على مسار أي تقارب محتمل بين طهران وواشنطن. ومن هذا المنظور، ترى إيران أن مسقط توفر هامش حماية أعلى للمحادثات من محاولات التشويش أو الضغط غير المباشر، سواء عبر التصعيد الأمني أو عبر قنوات النفوذ السياسية.
كما أن التجارب السابقة مع وسطاء آخرين أسهمت في تعزيز هذا التفضيل الإيراني. فتعثر بعض التفاهمات أو غموض مآلاتها، كما حدث في ملفات مالية ودبلوماسية أُديرت خارج الإطار العُماني، أعاد إلى الواجهة مسألة الثقة بوصفها العامل الحاسم في اختيار الوسيط أو الدولة المضيفة. وفي هذا السياق، لا تنظر طهران إلى عُمان فقط من زاوية سجلها التاريخي، بل من زاوية قدرتها المستمرة على الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على استقلالية قرارها في إدارة القنوات الحساسة.
ولا يقل أهمية عن ذلك البعد الأمني المرتبط بمكان انعقاد المحادثات. فبالنسبة لإيران، يمثل اختيار مسقط رسالة ضمنية مفادها أن التفاوض يجب أن يجري في بيئة مستقرة، بعيدة عن الاستقطابات الحادة والتحالفات العسكرية الضيقة. عُمان، التي لا تستند في سياستها الخارجية إلى منطق الأحلاف أو الاستعراض العسكري، توفر هذا النوع من الاستقرار، وتمنح الأطراف مساحة للتحرك الدبلوماسي دون خشية من تحوّل مكان التفاوض نفسه إلى ساحة رسائل سياسية متبادلة.
ويكتسب الإصرار الإيراني على أن تبقى سلطنة عُمان ساحة لاستضافة المحادثات دلالة أعمق إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن جولات سابقة من الحوار، التي احتضنتها مسقط، تزامنت مع تصعيد عسكري استهدف إيران، في لحظة كانت فيها القنوات الدبلوماسية مفتوحة. غير أن طهران، في قراءتها لتلك المرحلة، لم تتعامل مع ما جرى بوصفه انعكاسًا لطبيعة البيئة العُمانية أو لدورها، بل باعتباره محاولة خارجية لضرب مناخ الحوار نفسه، في توقيت حساس، بما يحمله ذلك من رسائل سياسية تتجاوز المكان إلى جوهر التفاوض.
في هذا السياق، كان للموقف العُماني الرسمي أهمية خاصة في ترسيخ القناعة الإيرانية بجدوى الاستمرار في مسقط. فقد أكدت سلطنة عُمان، في بياناتها وتصريحاتها، أن استهداف إيران خلال فترة استضافتها للمحادثات لا يمكن فصله عن استهداف نهجها الدبلوماسي القائم على الحوار وبناء الجسور، وأن أي تصعيد عسكري في تلك اللحظات يمثّل مساسًا مباشرًا بمساعي التهدئة التي تقودها. هذا الفهم العُماني، الذي يربط بين أمن الحوار واحترام مناخ التفاوض، عزز لدى طهران الشعور بأن مسقط لا ترى في الوساطة دورًا تقنيًا محايدًا فحسب، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية لحماية مسار التواصل من محاولات التعطيل.
ومن منظور إيراني، فإن العودة إلى مسقط بعد تلك التطورات تحمل رسالة مزدوجة: فهي من جهة تأكيد على التمييز بين الدولة المضيفة ونهجها من جهة، وبين الأطراف التي تسعى إلى تقويض مسار التفاوض من جهة أخرى؛ ومن جهة ثانية تعبير عن رفض إخضاع مسار الحوار لمنطق التصعيد أو منح القوى الرافضة للتفاهم القدرة على فرض بدائل تفاوضية أقل توازنًا. فالتخلي عن عُمان في تلك اللحظة كان سيُفهم باعتباره تراجعًا أمام الضغوط، في حين أن الإصرار عليها يعكس تمسكًا بفكرة أن الحوار، لكي يكون مجديًا، يجب أن يُستكمل في البيئة التي أظهرت التزامًا ثابتًا بحمايته، حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.
وعليه، لا يبدو الرهان الإيراني على سلطنة عُمان نابعًا من تجاهل المخاطر المحيطة بمسار التفاوض، بل من قناعة بأن مسقط، بما تمثله من حياد بنّاء ورؤية شاملة للأمن الإقليمي، تبقى الإطار الأكثر قدرة على استيعاب التناقضات، وضبط إيقاع الحوار، والحفاظ على استمراريته بعيدًا عن منطق التصعيد وردود الفعل الآنية.
في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن إصرار إيران على سلطنة عُمان لا يعكس فقط ثقة بدولة بعينها، بل يعكس أيضًا تصورًا محددًا لشروط التفاوض الناجح. فالمكان، في الحسابات الإيرانية، ليس إطارًا محايدًا فحسب، بل جزء من معادلة التفاوض، يؤثر في إيقاعه، وسقفه، وفرص استمراريته. ومن هنا، تبدو مسقط، بالنسبة لطهران، الخيار الأقرب إلى ضمان أن يبقى الحوار الإيراني–الأمريكي محكومًا بالمنطق الدبلوماسي، لا رهينة للتقلبات الإقليمية أو الحسابات الآنية للدول الفاعلة.
