المحامي أحمد بن حسن البحراني
أصدر المشرّع العُماني قانون المحاماة والاستشارات القانونية بالمرسوم السلطاني رقم (41 / 2024)، واضعًا إطارًا قانونيًا واضحًا لتنظيم مهنة المحاماة، حمايةً لحقوق المتقاضين، وضمانًا لممارسة المهنة من قبل المؤهلين قانونًا.
ومع التحول الرقمي في العمل القضائي، وقيام المجلس الأعلى للقضاء بتنظيم ورش تدريبية لمكاتب سند والمواطنين حول استخدام بوابة “قضاء” الإلكترونية وخدمات تقديم الدعوى والطعن والتنفيذ، ثار نقاشٌ حول مدى مشروعية قيام غير المحامين بكتابة صحف الدعاوى والمذكرات القضائية، وذهب البعض إلى الاعتقاد بأن هذه الدورات تُعد سماحًا ضمنيًا بممارسة أعمال محاماة.
وهنا تبرز الحاجة إلى توضيح قانوني دقيق، يميّز بين الخدمة القضائية والخدمة القانونية، ويضع كل جهة في إطار اختصاصها الصحيح.
أولًا: القاعدة العامة في قانون المحاماة
قررت المادة (11) من قانون المحاماة والاستشارات القانونية قاعدة آمرة مفادها:
“لا يجوز ممارسة أي عمل من أعمال المحاماة لغير المقيدين في أحد جداول المحامين المشتغلين.”
ثم عددت ما يُعد من أعمال المحاماة، ومن بينها:
الحضور والتمثيل أمام الجهات القضائية، إبداء الرأي والمشورة القانونية، اتخاذ الإجراءات القانونية التي نص عليها القانون.
ولم يرد في النص ذكرٌ صريح لعبارة “كتابة صحف الدعاوى أو المذكرات”، الأمر الذي استند إليه البعض للقول بعدم خضوع هذه الأعمال للحظر.
إلا أن التفسير القانوني لا يقف عند حدود اللفظ، بل يتجاوز ذلك إلى حقيقة العمل ومضمونه وأثره القانوني.
ثانيًا: كتابة الصحف والمذكرات بين الصياغة والرأي القانوني
إن كتابة صحيفة دعوى أو مذكرة دفاع لا تُعد عملًا ماديًا محايدًا، وإنما تتضمن في جوهرها:
تكييف الوقائع تكييفًا قانونيًا، تحديد الطلبات والدفوع،
اختيار الأساس القانوني المناسب، ترتيب الحجج وفقًا لقواعد القانون والإجراءات.
وهذه العناصر مجتمعة تُشكِّل إبداءً لرأي ومشورة قانونية بالمعنى المقصود في البند (2) من المادة (11)، حتى وإن لم تُسمَّ صراحة “استشارة”.
كما أن صحيفة الدعوى تُعد الإجراء القضائي الذي تُفتتح به الخصومة، ومن يقوم بصياغتها يكون قد ساهم في اتخاذ إجراء أمام المحكمة وفق البند (1) من المادة ذاتها، ولو لم يحضر الجلسات بنفسه.
وعليه، فإن المعيار ليس في الحضور الفعلي أمام القاضي، وإنما في القيام بالفعل القانوني الذي يُنشئ أو يُوجّه الخصومة.
ثالثًا: الرد على القول بحصر المنع في الحضور فقط
إن القول بأن المحظور يقتصر على الحضور أو التمثيل أمام المحاكم قولٌ لا يستقيم قانونًا، لأن:
التمثيل لا يقتصر على الوقوف أمام القاضي، بل يشمل إنشاء الطلب القانوني وصياغته باسم الخصم.
الأخذ بهذا التفسير يُفرغ النص من مضمونه، ويفتح باب التحايل على تنظيم المهنة.
القاعدة المستقرة أن ما كان لازمًا للعمل المحظور يأخذ حكمه، وصياغة الصحيفة لازمة لمباشرة الخصومة.
رابعًا: دور المجلس الأعلى للقضاء وحدود اختصاصه
المجلس الأعلى للقضاء هو الجهة المشرفة على سير الدعوى والإجراءات القضائية، والمسؤولة عن تطوير الخدمات القضائية الإلكترونية، ومنها بوابة “قضاء”.
ولا يملك المجلس – بحكم اختصاصه – تنظيم مهنة المحاماة أو منح ترخيص بممارسة أعمالها، إذ إن ذلك يخضع لقانون المحاماة والاستشارات القانونية والجهات المختصة بتطبيقه.
وعليه، فإن تنظيم ورش تدريبية لمكاتب سند أو للمواطنين يهدف إلى:
شرح آلية استخدام الأنظمة الإلكترونية، تسهيل الوصول للخدمات القضائية، رفع كفاءة التعامل مع المنصة الرقمية،
ولا يُعد بأي حال من الأحوال إباحة أو ترخيصًا بممارسة أعمال محاماة.
خامسًا: التمييز بين الخدمة القضائية والخدمة القانونية
وهنا يكمن جوهر الإشكال:
الخدمة القضائية:
هي خدمة إجرائية أو تقنية، تتعلق بإدخال البيانات، رفع المستندات، متابعة الطلبات إلكترونيًا.
الخدمة القانونية:
هي خدمة تقوم على التكييف القانوني، وإبداء الرأي، وصياغة الطلبات والدفوع، وتمثيل الخصوم.
فالتدريب على الأولى لا يبيح ممارسة الثانية.
سادسًا: المعيار الفاصل في المشروعية
العبرة ليست: بمن قدّم التدريب، ولا بالجهة التي وفّرت المنصة، وإنما العبرة: بطبيعة العمل الذي يُقدَّم للجمهور.
فإذا اقتصر عمل مكاتب سند على تنفيذ تعليمات صاحب الشأن حرفيًا، دون صياغة أو توجيه أو اقتراح قانوني، كان ذلك في حدود المباح.
أما إذا تجاوز إلى صياغة قانونية، أو اقتراح طلبات ودفوع، أو توجيه قانوني صريح أو ضمني، فإن هذا يظل محظورًا على غير المحامين، ولو تم عبر منصة إلكترونية رسمية.
خاتمة
إن التحول الرقمي في العمل القضائي خطوة إيجابية ومحمودة، غير أنه لا يُغيّر من القواعد القانونية الحاكمة لمهنة المحاماة، ولا يُنشئ استثناءات غير منصوص عليها.
والتمييز الواضح بين الخدمة القضائية والخدمة القانونية هو السبيل لضمان حسن تطبيق القانون، وحماية حقوق المتقاضين، والحفاظ على مكانة مهنة المحاماة دون تعارض أو التباس بين الجهات المختلفة.
