بقلم منى بنت سيف الفهدية
مقدمة
يُعد الزواج مؤسسة اجتماعية أساسية تقوم عليها استمرارية المجتمع واستقراره النفسي والقيمي، وقد أولت الدراسات الاجتماعية والنفسية اهتمامًا واسعًا بالعوامل المؤثرة في الإقبال على الزواج أو العزوف عنه، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الفرد والمجتمع.
وفي هذا السياق، تبرز فئة الشباب فاقدي أحد الوالدين أو كليهما كإحدى الفئات الأكثر عرضة للتردد أو الهروب من الزواج، نتيجة لتراكمات نفسية واجتماعية واقتصادية نشأت في مراحل مبكرة من حياتهم.
ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة على أنها خيار فردي مجرد، بل هي نتاج بنية معقدة من الحرمان العاطفي، وضعف الدعم الأسري، وضغوط المسؤولية المبكرة، الأمر الذي يستدعي دراسة علمية معمقة لفهم أسبابها وآثارها وسبل معالجتها.
⸻
أولًا: الأسباب النفسية لعزوف فاقدي الأبوين من الزواج
تشير الأدبيات النفسية إلى أن فقدان أحد الوالدين في مرحلة الطفولة أو المراهقة قد يؤدي إلى اضطرابات في نمط التعلّق العاطفي، حيث يعاني الفرد من صعوبة في الثقة بالآخرين أو الخوف من فقدان الشريك مستقبلًا (Bowlby, 1988).
كما أن غياب الإحساس بالأمان الأسري قد ينعكس على صورة الذات، فيتولد لدى الشاب شعور بعدم الكفاءة أو الخوف من الفشل في أداء الأدوار الزوجية والأبوية، مما يدفعه إلى تجنب الزواج كآلية دفاع نفسي.
⸻
ثانيًا: الأسباب الاجتماعية
يُعد الدعم الأسري عاملًا محوريًا في تسهيل الزواج، سواء من حيث التوجيه أو المساندة المعنوية. ويفتقد الشباب فاقدو الأبوين هذا الدعم، مما يجعلهم أكثر عرضة للضغوط الاجتماعية والنظرة السلبية التي قد تشكك في قدرتهم على تحمّل المسؤولية.
كما أن غياب النموذج الأسري المتكامل يحرمهم من التعلم غير المباشر لكيفية إدارة الحياة الزوجية، الأمر الذي يزيد من حالة التردد والانسحاب من فكرة الزواج.
⸻
ثالثًا: الأسباب الاقتصادية
في كثير من الحالات، يتحمل فاقدو الأبوين مسؤوليات اقتصادية مبكرة، مثل إعالة الأسرة أو الإخوة الأصغر سنًا، مما يؤدي إلى استنزاف مواردهم المادية والنفسية. وتشير الدراسات إلى أن عدم الاستقرار الاقتصادي يعد من أبرز أسباب تأجيل الزواج أو العزوف عنه، خصوصًا في المجتمعات العربية التي ترتبط فيها متطلبات الزواج بتكاليف مرتفعة (الزهراني، 2019).
⸻
رابعًا: الآثار المترتبة على العزوف من الزواج
يؤدي العزوف المستمر عن الزواج إلى آثار نفسية واجتماعية متعددة، من أبرزها الشعور بالوحدة والعزلة، وارتفاع احتمالية الإصابة بالاكتئاب والقلق. وعلى المستوى المجتمعي، تسهم هذه الظاهرة في إضعاف البنية الأسرية وخلل التوازن الديموغرافي، مما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي.
⸻
خامسًا: الحلول والتوصيات
1.توفير برامج الدعم النفسي والإرشاد الأسري الموجهة خصيصًا لفاقدي الأبوين.
2.تفعيل دور المؤسسات الاجتماعية في تقديم الدعم المادي والمعنوي لتسهيل الزواج.
3.نشر الوعي المجتمعي بأهمية احتواء هذه الفئة والتقليل من الوصم الاجتماعي.
4.إدراج قضايا فاقدي الأبوين ضمن السياسات الاجتماعية والتنموية.
⸻
خاتمة
إن عزوف الشباب فاقدي الأبوين من الزواج ظاهرة متعددة الأبعاد لا يمكن اختزالها في سبب واحد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية. ومن هنا، فإن معالجتها تتطلب تدخلًا مؤسسيًا شاملًا يقوم على الفهم والدعم والتمكين، بما يسهم في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي لهذه الفئة وتعزيز تماسك المجتمع ككل.
⸻
المراجع
1.بولبي، جون. (1988). التعلّق والفقدان. ترجمة: مركز دراسات علم النفس.
2.الزهراني، أحمد بن محمد. (2019). العوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في تأخر سن الزواج. مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الملك سعود.
3.عبد الرحمن، سامي. (2017). الصحة النفسية وفقدان الوالدين في مرحلة الطفولة. القاهرة: دار الفكر العربي.
4.Bowlby, J. (1988). A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. New York: Basic Books.
5.World Health Organization. (2014). Social determinants of mental health. WHO Press.
