محمد جواد أرويلي/ كاتب و صحفي إيراني
تُستَخدم الحكايات الرمزية في التحليل السياسي بوصفها أدوات تفسيرية تساعد على تفكيك السلوك الجمعي حين يعجز الخطاب النظري المجرّد عن الإحاطة بتعقيداته. ومن هذا المنطلق، تَعرض إحدى الروايات المجازية مشهدًا لقرية تعرّضت لاجتياح قوة عسكرية فرضت سيطرتها بالقوة، وانتهكت النظام الاجتماعي القائم، في ظل عجز جماعي عن المواجهة. في هذا السياق، اختارت امرأة واحدة فقط مسار الرفض والمقاومة، وواجهت الجندي الذي اقتحم بيتها، وانتهى الاشتباك بمقتله. وعقب انسحاب القوة المهاجمة، خرجت نساء القرية في حالة من الانكسار، بينما ظهرت تلك المرأة بوصفها استثناءً دالًا، وقدّمت فعلها باعتباره دليلًا على أن الخضوع لم يكن قدرًا حتميًا، بل خيارًا فرضته موازين الخوف.
غير أن هذا الفعل لم يُستقبل بوصفه نموذجًا للمقاومة، بل كتهديد للنظام النفسي والاجتماعي الذي تكوّن في ظل القهر. إذ كشفت المقاومة الفردية، من حيث لا تقصد، هشاشة التبريرات التي اعتمدها الآخرون لتفسير استسلامهم، وفتحت الباب أمام مساءلة مؤجلة حول البدائل الممكنة. ونتيجة لذلك، تحوّل فعل المقاومة إلى مصدر إرباك، وتمت تصفية صاحبة الفعل على يد جماعتها نفسها، في سلوك يعكس آلية معروفة في علم الاجتماع السياسي، حيث تُواجَه الاستثناءات التي تُحرِج الجماعة بالإقصاء لا بالاحتواء.
يوفّر هذا النموذج الرمزي إطارًا مناسبًا لقراءة السلوك الأوروبي في علاقته بالولايات المتحدة، ولا سيما في ضوء التصريحات الأخيرة للمستشار الألماني التي دعا فيها إلى تحمّل أوروبي أكبر للمسؤوليات الأمنية، وتقليص الاعتماد على الشركاء الخارجيين، والتأكيد على أن أوروبا شريك لا تابع في النظام الدولي. هذه التصريحات تعكس إدراكًا متزايدًا داخل بعض الدوائر الأوروبية لاختلال بنيوي في العلاقة عبر الأطلسي، إلا أنها في الوقت نفسه تكشف حدود هذا الإدراك حين تُقارن بالسياق السياسي الذي صدرت فيه.
فالتصريحات ذاتها جاءت متزامنة مع خطاب تصعيدي تجاه إيران، أعلن فيه المستشار الألماني أن مستقبل النظام الإيراني بات محدود الأفق، وهو ما ينسجم إلى حد بعيد مع الخطاب الأمريكي السائد. هذا التزامن لا يشير إلى تحوّل استراتيجي في موقع أوروبا، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تعريف الدور الأوروبي داخل المنظومة الغربية من خلال خطاب أكثر فاعلية، دون المساس بجوهر الاصطفاف القائم.
تاريخيًا، تشكّلت العلاقة الأوروبية–الأمريكية بعد الحرب الباردة ضمن معادلة أمنية غير متكافئة، اعتمدت فيها أوروبا على المظلّة الأمنية الأمريكية مقابل التزام سياسي عام بخيارات واشنطن الاستراتيجية. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الترتيب إلى نمط اعتماد بنيوي قيّد هامش الاستقلال الأوروبي، وجعل مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” أقرب إلى طموح نظري منه إلى سياسة قابلة للتطبيق. وتبرز قضية غرينلاند مثالًا دالًا على هذا الخلل، إذ أظهرت محدودية القدرة الأوروبية على الدفاع عن مفهوم السيادة حين يتعارض ذلك مع المصالح الأمريكية.
ويظهر هذا الاختلال بوضوح أكبر في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف النووي الإيراني. فالاتفاق النووي الموقع عام 2015 تأسس على مبدأ التوازن بين الالتزامات والحقوق، وقد أكدت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التزام إيران الدائم بتعهداتها. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أفقده توازنه، في حين عجزت الدول الأوروبية الموقعة عن تعويض هذا الانسحاب أو الوفاء بتعهداتها الاقتصادية والسياسية، ما حوّل الاتفاق إلى إطار قانوني محدود الفاعلية.
ورغم استمرار إيران، لفترة طويلة، في تبنّي سياسة ضبط النفس والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن الاتفاق تآكل تدريجيًا على المستويات الزمنية والعملية والسياسية. ومع ذلك، عادت الدول الأوروبية للمطالبة بتفعيل “آلية الزناد” لإعادة فرض العقوبات، متجاهلة السياق الذي أفرغ الاتفاق من مضمونه، بما في ذلك انسحاب طرف رئيسي منه، وعدم التزام الأطراف الأوروبية نفسها بتعهداتها. هذا الاستخدام الانتقائي للآليات القانونية يثير إشكالات تتعلق بالمشروعية والاتساق، ويضعف مصداقية الدور الأوروبي بوصفه وسيطًا أو فاعلًا مستقلاً.
تتعمّق هذه الإشكالية مع المواقف الأوروبية المتحفظة إزاء الاعتداءات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، والتي أظهرت محدودية الضمانات التي يوفرها الالتزام بالاتفاقات الدولية ومعاهدات عدم الانتشار. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الأطر القانونية حين تُطبّق بشكل غير متوازن، وحول قدرة أوروبا على الدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد في ظل استمرار تبعيتها الأمنية والسياسية.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المعضلة الأوروبية الراهنة لا تكمن في غياب الوعي النظري بضرورة الاستقلال، بل في غياب الاستعداد السياسي لتحمّل تبعاته. فكما تُظهر القصة الرمزية الافتتاحية، كثيرًا ما تُواجَه محاولات الخروج عن نمط قائم بالإقصاء، لا لأنها غير ممكنة، بل لأنها تفضح حدود الممكن كما اعتادته الجماعة. وبين خطاب الندية وواقع الاعتماد، تظل أوروبا عالقة في منطقة وسطى، تعترف نظريًا بضرورة التحول، لكنها عمليًا تسهم في إعادة إنتاج البنية ذاتها التي تدّعي تجاوزها.
فأوروبا تدرك في العمق، هشاشة موقعها التابع، لكنها تخشى كلفة الخروج عنه. ولذلك، بدل أن تحمي مسار الاستقلال، تميل إلى محاصرة كل تجربة قد تفضح التبعية أو تحرج خطابها. فالاستقلال ليس شعارًا بل فعلًا مكلفًا، ومن لا يستعد لتحمّل كلفته يفضّل أحيانًا إجهاضه، لا لأنه خطأ، بل لأنه يذكّر بأن خيارًا آخر كان ممكنًا.
