محمد حسين ترحيني/ باحث لبناني
إنّ الكلمة ليست صوتًا عابرًا يذوب في الهواء، ولا حبرًا جامدًا على الورق، بل أثرٌ عميق يمتدّ في النفس، ويعيد تشكيل الوعي والأخلاق. قولوا كلماتٍ طيبةً تُعيد ترتيب الداخل، وتُهذّب السلوك، وتُجمّل الأخلاق، وتجعل القلب أكثر ميلًا للخير وأبعد عن القسوة. فالكلمة حين تُقال بصدقٍ ورفق، تشبه الماء الذي يتسلّل إلى تربة الروح فيُحيي ما ظنّ الإنسان أنه قد مات.
وقولوا كلماتٍ رقيقةً تُلامس المشاعر وتُليّنها، فكم من كلمةٍ ناعمةٍ أنقذت روحًا من الانطفاء، وكم من عبارةٍ بسيطة منحت قلبًا مُثقَلًا سببًا للاستمرار. المشاعر ليست صلبة كما نتصوّر؛ إنها تتشكّل بالكلمة، وتلين حين تجد من يخاطبها بصدقٍ وشفافية.
وقولوا كلماتٍ حنونةً تُطيّب الخواطر، فكم من إنسانٍ يتظاهر بالقوة فيما قلبه يفتّش عن مواساة. الحنان ليس ترفًا بل ضرورة إنسانية، تُعيد بناء الجسور بين الناس، وتجعلهم أكثر قربًا ومودّة. وقد تكون الكلمة الحنونة أعظم من هديةٍ ثمينة، لأنها تُشعر الإنسان بأنه مرئيّ ومفهوم، وأن وجوده لا يضيع في الزحام.
وقولوا كلماتٍ صادقةً تُوقظ الضمائر، فالضمير قد ينام حين يعتاد الضجيج، ويحتاج إلى كلمةٍ تهزّه ليعود إلى مساره. الكلمة الصادقة تنقل الإنسان من التردّد إلى الموقف، ومن الخوف إلى شجاعة إعلان الحق. الصدق ليس مجرّد فضيلة، بل قوة روحية تُعيد ترتيب الحياة.
وقولوا كلماتٍ مُصلحة، لا تُسكّن الألم فحسب بل تعالجه، كلمات تكشف الظلم، وتُقاوم التمزّق والتحزّب والأطماع الصغيرة. فالكلمة حين تُقال في موضعها تتحوّل إلى فعل، وقد تغيّر مسار بيتٍ أو مجتمع.
وقولوا كلماتٍ نافعةً تبني الوعي، وتُوسّع المدارك، وتفتح أبواب الخير. فالكلمة النافعة تُعلّم، وتُهدي، وتوقظ عقلًا راكدًا أو فكرةً خاملة.
ثمّة كلمات لا تُقال للمجاملة، بل لتوقظ الإنسان من سباته، وتُعيد إليه ملكيته لروحه. وهي كلمات لا تولد إلا من صدق التجربة وعمق الرؤية. وحين ترتقي الكلمة من كونها بلسمًا إلى بوصلة، تصبح أداة نهضة، لا صدى عابرًا في الزمن.
