ليلى بنت قاسم البلوشية
شهدت السنوات الأخيرة نقاشًا واسعًا حول نظام إجادة منذ بدء تطبيقه، وتنوّعت الآراء بين مؤيد يرى فيه إطارًا حديثًا لإدارة الأداء، وناقد يلفت إلى فجواتٍ في عدالة التقييم ومصداقية المفاضلة. وفي خضم هذه النقاشات، تعمل الجهات المعنية على تطوير النظام وتحسين آلياته، سعيًا لجعله أكثر إنصافًا في قياس أداء الموظفين وجهودهم السنوية.
وتأتي هذه القراءة بوصفها إسهامًا من واقع تجربة مهنية، ومحاولة لتفكيك الإشكال من زاوية علمية نقدية، تُميّز بين صلاحية الأداة ومحدودية التطبيق.
من حيث المبدأ، يُعد إجادة نظامًا إلكترونيًا للتقييم لا يُؤخذ عليه خلل جوهري في بنيته أو معاييره المعلنة. فالإشكال لا يكمن في «النظام» بحد ذاته، بل في كيفية تطبيقه، وفي المنظومة البشرية التي تتولى اتخاذ قرارات التقييم وتوزيع الدرجات، ولا سيما في المساحة الرمادية بين مستويي جيد جدًا وممتاز.
يعتمد التقييم شكليًا على ثلاثة محاور تبدو عادلة في ظاهرها:
1. التحسين والتطوير في الخدمة،
2. تحقيق الخطط والأهداف السنوية،
3. الأداء المرتبط بصميم الاختصاصات الوظيفية،
ويُضاف إلى ذلك محور رابع يتمثل في الإنجازات الإضافية التي تُنجز خارج نطاق الخطة الدورية، ويُشاد بها بوصفها قيمة مضافة.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بوجود هذه المحاور، بل بـكيفية تحقيقها وتقييمها والمفاضلة على أساسها. هنا، تحديدًا، يتجلى التحدي الحقيقي.
فبيئات العمل ليست متكافئة، والاختصاصات الوظيفية ليست متماثلة. هناك موظفون يعملون تحت ضغط عالٍ وساعات طويلة، يواجهون كمًا هائلًا من المهام التشغيلية التي تستنزف الوقت والجهد، ولا تترك لهم فسحة للتفكير في مبادرات إضافية أو مشاريع تحسين خارج نطاق العمل اليومي. في المقابل، هناك موظفون تقلّ أعباؤهم اليومية، أو تتركز طبيعة عملهم أصلًا في مجالات التحسين والابتكار والتطوير، وهي اختصاصات صُممت بطبيعتها لإنتاج “إنجازات” قابلة للعرض والتوثيق.
وحين يأتي التقييم دون مراعاة هذا التفاوت البنيوي، فإن العدالة تتحول إلى مظهرٍ إجرائي لا مضمون له. يُكافأ من أُتيحت له بيئة الظهور، وتُحتسب له إنجازات وُفّر لها الوقت والدعم، بينما يُتجاوز من انشغل بواجباته الأساسية، وأدّى اختصاصاته بإخلاص تحت ضغط مستمر، ليُقال له في النهاية: لم تقدّم ما هو خارج عملك.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون إداريًا:
هل يُعاقَب الالتزام المهني العالي لأنه غير مرئي؟
وهل تُقاس القيمة الوظيفية بما يُعرض ويُسوّق، لا بما يُنجز ويُحمل على عاتق صاحبه يومًا بعد يوم؟
تتفاقم الإشكالية أكثر حين تعمل المؤسسات في إطار لامركزي ضعيف الرقابة والمساءلة. ففي غياب معايير تطبيق موحّدة، يتحول التقييم إلى ممارسة شخصية، يخضع لتقدير المسؤول وشبكته القريبة، لا لميزانٍ موضوعي. وهنا لا يصبح الموظف في مواجهة نظام إلكتروني، بل في مواجهة نظام بشري غير منضبط، قد يكافئ القرب والظهور، ويتغافل عن الجهد الصامت.
وعليه، فإن جوهر الإشكال في إجادة ليس تقنيًا ولا إجرائيًا، بل فلسفي-إداري:
كيف نُعرّف الإنجاز؟
وكيف نوازن بين الأداء التشغيلي المكثف والمبادرات التطويرية؟
وكيف نضمن أن تكون العدالة في التقييم عدالةً في الفرص قبل أن تكون عدالةً في النتائج؟
إن تطوير إجادة، بمعناه العميق، لا يقتصر على تعديل النماذج أو إضافة مؤشرات، بل يتطلب إعادة نظر في ثقافة التقييم، وفي وعي القيادات بأثر اختلاف الأدوار والبيئات، وفي بناء منظومة رقابية تضمن اتساق التطبيق وعدالته. فالأداة، مهما بلغت دقتها، تظل رهينة اليد التي تستخدمها، والعدالة لا تتحقق بالنظام وحده، بل بمن يطبّقه وبالمنهج الذي يؤمن به.
