د. أحلام بنت حمود الجهورية
باحثة وكاتبة في التاريخ، عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العُمانية
أثار مقطع فيديو مجتزأ من مقابلة لي في بودكاست “تاريخ العز والفخر” على إذاعة هلا أف أم، بُثَّ بتاريخ 19 نوفمبر 2025م، تساؤلات كثيرة من المتابعين عندما تحدثت عن دور السيدة سالمة في تخليد تفاصيل مهمة من تاريخ الأسرة البوسعيدية في زنجبار تحديدًا، وتاريخ عُمان على وجه العموم.
وقد حاز مقطع الفيديو على تفاعل كبير، لكن تركّزت تعليقات كثيرة حول قصة زواج السيدة سالمة من تاجر ألماني، وهروبها من زنجبار، وخروجها من الإسلام، وغيرها من التعليقات والاستفسارات والاتهامات؛ إذ رأى البعض أننا نفسد نساء المجتمع بالحديث عن السيدة سالمة، وكأن نساء المجتمع لا يملكن وعيًا حتى تفسدهن قراءة في سيرة السيدة سالمة! وتخيّلت لوهلة أننا في قاعة محكمة ونحاكم هذه السيدة على قراراتها الشخصية التي أخذتها قبل 160 عامًا. وفي رأيي، أجد أن الأغلب قد اكتفى بمتابعة مقطع مجتزأ من المقابلة، ولم يشاهدها كاملة إلا قلة منهم حرصت على فهم الإطار التاريخي الذي تحدثت فيه عن السيدة سالمة.
وفي الحقيقة، أتقبّل ما تضمّنه ذلك التفاعل من اتهامات واستفسارات مشروعة باختلاف مستوى القراءة والفهم لمغزى الطرح؛ فنحن بشر تثيرنا الأخبار ذات الطابع الشخصي، وتسكننا أحيانًا الأسئلة الشخصية الكبرى؛ من هي؟ ومن هو زوجها؟ وما قصتها؟ وغيرها من التساؤلات والاستفهامات، وهذا التقبل لاختلاف الفهم وتعدد وجهات النظر يدفعني لنشر ما كتبته عن السيدة سالمة؛ بهدف إعادة قراءة هذه الشخصية عبر بوصلة أكثر دقة ومرآة أكثر اتساعًا؛ كي لا نحاكمها غيابيًا على قرار شخصي اتخذته بكامل إرادتها، وتحمّلت تبعاته وحدها، ولسنا مخولين بمحاكمتها، بل نحن معنيون بقراءة تجربتها وما تركته من إرث إنساني.
إن الذين سيقرؤون مقالي هذا عنها، سينظرون لها بعين الحياد، وربما سيرغبون في معرفة المزيد عن سيرة حياتها. علمًا بأنني لم أكتب عن السيدة سالمة دفاعًا، إنما كتبت من باب الأمانة التاريخية، وإيمانًا مني بأن أي شخصية تاريخية لها ما لها وعليها ما عليها بكل مناقبها ومثالبها. وهذا الإيمان يدفعني لطرح تساؤلات ملحة: متى نقرأ تاريخنا بكل شخوصه وأحداثه بوعي وفهم عميق؟! وهل نحن بحاجة إلى معرفة المنهج العلمي المعين في فهم السياقات التاريخية بعيدًا عن مطية التحيزات الشخصية؟ وهل مجتمعنا بحاجة إلى رفع قيمة الوعي التاريخي؟ حتمًا هي تساؤلات ملحة؛ لكنني لست هنا في مقام انتظار الإجابة عنها؛ لأن الإجابة ستصل عندما لا يثيرنا مقطع ونبدأ من خلاله في محاكمة الشخوص والتاريخ والباحثين فيه!
لندخل في لُبِ المقال ونسرد جانبًا من جوانب سيرة السيدة سالمة عبر مذكراتها الثلاث؛ (مذكرات أميرة عربية. ترجمة: سالمة صالح، ط2، منشورات الجمل، بيروت: 2006م؛ رسائل إلى الوطن. ترجمة: زاهر الهنائي، ط1، منشورات الجمل، بيروت: 2016م؛ مذكرات أميرة عربية (تكملة المذكرات) ج3، ترجمة وتقديم: زاهر الهنائي، ط1، منشورات الجمل، بيروت: 2017م). مع أهمية الإشارة إلى أنني استعنت بالكثير من المصادر والمراجع في إعداد مادة هذا المقال، وسيأتي ذكرها بالتفصيل في نتاج علمي آخر بشأن الشخصية ذاتها. إذن، فلنذهب إلى السيدة سالمة.
سالمة أو سلمى أو إيميلي هي إحدى بنات السلطان السيد سعيد بن سلطان (1804-1856م) سلطان عُمان وزنجبار وملحقاتها، كما كان يخاطب في المراسلات المتبادلة معه، واستمرت فترة حكمه حوالي نصف قرن من الزمان استطاع خلالها تأسيس إمبراطورية هي الأكبر لعُمان في التاريخ الحديث، حيث شملت إمبراطوريته أراض في قارتي آسيا وأفريقيا، وأوجد علاقات دبلوماسية مع الكثير من دول العالم الفاعلة في ذلك الزمان.
سطَّرت السيدة سالمة حروف اسمها على صفحات التاريخ للتجربة الإنسانية التي أرَّختها في مذكراتها وهي عبارة عن سيرة ذاتية كتبتها بنفسها باللغة الألمانية نُشرت مترجمة إلى اللغة العربية تحت عنوان: (مذكرات أميرة عربية). وبدءًا بالتعليق على العنوان، فإن لقب أميرة لم يستخدم في تاريخ الأسر العُمانية الحاكمة عموماً، والألقاب التي عُرف بها الحاكم في أسرة البوسعيد هي: الإمام والسلطان والسيد، أما أفراد الأسرة من الرجال فيطلق عليهم لقب السيد، بينما النساء فحملن لقب سيدة. وقد أشارت السيدة سالمة في مذكراتها إلى موضوع الألقاب، ومما ذكرته: “… أبي السيد سعيد، إمام مسقط وسلطان زنجبار… لقب الإمام هو لقب ديني من النادر جدا أن يمنح لحاكم. ويعود الفضل فيه إلى جدي الأكبر أحمد في الأصل. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا اللقب يورث لعائلتنا بأجمعها، فلكل واحد منا الحق في أن يرفقه باسمه”. وعطفاً على الموضوع يمكن الإشارة إلى ما كُتب على شاهد قبر السلطان سعيد في المقبرة الملكية بزنجبار: “هنا يرقد صاحب السمو السيد سعيد بن سلطان إمام عُمان وسلطان مسقط وزنجبار”. وبصفة عامة، استخدمت عدة ألقاب في المراسلات والمعاهدات والتقارير الدبلوماسية المتعلقة بالسلطان سعيد، وهي السلطان والسيد والإمام.
ومع السيدة سالمة سنكون بصحبة ثلاثة إصدارات؛ الجزء الأول: مذكرات أميرة عربية، والجزء الثاني: رسائل إلى الوطن، والجزء الثالث: مذكرات أميرة عربية (تكملة المذكرات)؛ فكتابات السيدة سالمة لم تقتصر على مذكراتها الشهيرة المنشورة بعنوان: (مذكرات أميرة عربية)؛ حيث وجد أبناؤها الثلاثة (روزالي وأنطوني وسعيد) في تركتها بعد وفاتها سنة 1924م ثلاثة نصوص أخرى غير المذكرات التي نشرت في عام 1886م بعنوان: “مذكرات أميرة عربية”، يتضمن النص الأول مذكرات حياة السيدة سالمة في ألمانيا منذ انطلاق رحلتها من عدن إلى ألمانيا في يونيو 1867م وحتى منتصف ثمانينات القرن التاسع عشر وهو بعنوان “رسائل إلى الوطن”، والنص الثاني يتضمن تكملة لمذكراتها بعنوان “تكملة مذكّراتي”، أما النص الثالث بعنوان “أعراف وعادات سورية”. وتعرف هذه النصوص الثلاثة في ألمانيا بـــــ (التركة الأدبية لإميلي رويته)، وتأخر نشر النصوص الثلاثة حتى عام 1993م؛ بسبب الخلاف بين أبناء السيدة سالمة حول موضوع النشر.
ويمكن توضيح مذكرات السيدة سالمة بكل النصوص التي كتبتها زمنياً؛ فهي تبدأ بتوثيق حياة السيدة سالمة في زنجبار خلال الفترة: (1844-1866م) وأحداث هذه الفترة أرَّخها الكتاب الأول: “مذكرات أميرة عربية”، ثم حياة السيدة سالمة في ألمانيا خلال الفترة: (1867- 1888م) وأرَّخها الكتاب الثاني: “رسائل إلى الوطن”، وتنتهي المذكرات بحياة السيدة سالمة في يافا وبيروت خلال الفترة: (1888-1914م)، وأرَّخها الكتاب الثالث: “تكملة المذكرات”. وقد عادت السيدة سالمة إلى ألمانيا سنة 1914م ومكثت فيها حتى وفاتها عام 1924م. ويمكن تقديم إطار زمني عام يوضح حياة السيدة سالمة وما ارتبط بها من أحداث محورية، على النحو الآتي:
10 مارس 1839م: مولد رودولف هاينريش رويته زوج السيدة سالمة في هامبورغ بألمانيا.
30 أغسطس 1844م: مولد السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان، في بيت المتوني في زنجبار.
19 أكتوبر 1856م: وفاة السلطان سعيد بن سلطان والد السيدة سالمة.
24 أغسطس 1866م: هروب السيدة سالمة من زنجبار إلى عدن على متن السفينة الحربية الإنجليزية هاي فلاير.
30 مايو 1867م: وصول هاينريش رويته إلى عدن، وتعميد السيدة سالمة ودخولها في المسيحية واتخاذ اسم إيميلي وزواجها من هاينريش ثم توجههما إلى هامبورغ.
24 مارس 1868م: مولد الابنة أنطوني طوقة.
13 أبريل 1869م: مولد الابن رودولف سعيد.
16 أبريل 1870م: مولد الابنة روزالي غادة.
6 أغسطس 1870م: وفاة زوج السيدة سالمة في حادث قطار.
1872م: انتقال السيدة سالمة بصحبة أبنائها الثلاثة للعيش في دريسدن.
1875م: سفر السيدة سالمة إلى لندن، للقاء أخيها السلطان برغش، حيث كان يقوم بزيارة رسمية، وتم إحباط محاولتها للصلح مع أخيها من قبل الإنجليز، فعادت بخيبة أمل كبيرة إلى ألمانيا.
1885م: سفر السيدة سالمة في حماية الأسطول الألماني بصحبة أبنائها إلى زنجبار، وقام بسمارك باستخدام السيدة سالمة كأداة ضغط لدفع أخيها السلطان برغش للتوقيع على إحدى الاتفاقيات التي تحفظ لألمانيا السيادة على المناطق الساحلية الشرق أفريقية. وقد رضخ السلطان للمطالب الألمانية في ظل وجود السفن الحربية، لكنه رفض استقبال السيدة سالمة. وتبين للسيدة سالمة لاحقاً أنه كان يتم استخدامها دمية في لعبة المكائد السياسية.
1886م: نشر مذكرات أميرة عربية المُؤَلَف من إيميلي رويته -السيدة سالمة- عن دار فريدريش لوكهارت في برلين، وحقق أصداء كبيرة في ألمانيا. وعلى أثر ذلك، تُرجمت إلى عدة لغات.
1888م: سفر السيدة سالمة للمرة الثانية إلى زنجبار؛ للصلح مع أخيها السلطان خليفة الذي تولى الحكم بعد وفاة السلطان برغش، وسافرت بصحبة ابنتها روزالي فقط، لكن كل محاولاتها لكسب السلطان إلى صفها باءت بالفشل. إضافة إلى ذلك، شعرت السيدة سالمة بالإذلال إزاء سلوك الألمان الذي اتسم بالصد في زنجبار، وقررت عدم العودة إلى ألمانيا، والاستقرار بصحبة ابنتها في يافا بداية ثم القدس، ثم في بيروت.
1914م: عادت السيدة سالمة من بيروت إلى ألمانيا، واستقرت لدى ابنتها روزالي في مدينة يينا الألمانية.
29 فبراير 1924م: وفاة السيدة سالمة في يينا، في بيت آل ترومر، إثر التهاب رئوي مضاعف، ودُفنت جرة الرماد الخاصة بها في مدافن عائلة رويته في أولسدورف، بالقرب من هامبورغ.
بعد هذا الاستعراض الزمني لأبرز محطات حياة السيدة سالمة نبدأ بسرد بعض تفاصيل مذكراتها، على النحو الآتي:
مذكرات أميرة عربية (ج1):
قدّمت السيدة سالمة تجربتها الإنسانية من خلال كتابة مذكراتها التي نُشرت للمرة الأولى في عام 1886م. وقد نالت تلك المذكرات شهرة واسعة، والدليل على ذلك هو إعادة طباعتها أربع مرات في سنة الإصدار نفسها. وتكمن أهمية مذكرات السيدة سالمة في أمرين أشار إليهما المترجم زاهر الهنائي. تتمثل الأهمية الأولى في أن المذكرات تتطرق إلى الحديث عن الشرق بصفة عامة، وعن نساء الشرق على وجه الخصوص. أما الأهمية الأخرى فتتمثل في أن مذكرات السيدة تعد من أوائل المحاولات في كتابة سيرة ذاتية للمرأة العربية. وتشير المترجمة د. سالمة صالح في مقدمة ترجمتها لمذكرات السيدة سالمة إلى بعض صفات شخصيتها قائلة: “… نتعرف فيها من خلال مذكراتها على امرأة ذكية وطموح لم تكتف بدور المرأة والأم وحسب وإنما حاولت أن تقتحم عالم السياسة والدبلوماسية وشغلتها شؤون ومشكلات وطنها زنجبار رغم إقامتها في ألمانيا”. بدأت السيدة سالمة كتابة المذكرات في عام 1875م ولم تضف لها سوى المقطع الأخير (العودة إلى الوطن ثانية بعد تسعة عشر عامًا) بعد زيارتها لزنجبار في عام 1888م في عهد أخيها السلطان خليفة بن سعيد (1888-1890م). وتذكر السيدة سالمة في مقدمة مذكراتها المكتوبة في مايو 1886م، هدفها من كتابة المذكرات، وهو أن تكون بمثابة وصية لأطفالها؛ كي يتعرفوا على والدتهم وأصولها؛ لأنها اعتقدت أنها ستموت قبل أن يكبروا، وقبل أن تقصّ عليهم ما كتبت عن سيرة حياتها، حيث تقول السيدة سالمة: “لم أكتب مذكراتي للنشر وإنما لأطفالي الذين أردت أن أترك لهم كوصية حبا أموميا صادقا. ولكنني قررت بعد أن حاول أكثر من شخص إقناعي أن أنشرها أخيرا.
وبالعودة إلى مذكرات السيدة سالمة، نجدها حافلة بالكثير من المعلومات التاريخية. وليس من المبالغة في القول أن مذكراتها ما هي إلا تاريخ كُتب من شاهد عيان لفترة تاريخية مهمة من تاريخ عُمان وزنجبار وملحقاتها؛ فمذكرات أميرة عربية هو اقتراب تاريخي من مواضيع متنوعة لم تجد طريقها للتأريخ في المصادر التاريخية العُمانية التي ركزت على الأحداث الكبرى وأغلبها سياسي في المقام الأول، فتجد في هذه المذكرات انفتاحًا على التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية التي عاشتها السيدة سالمة، وتوثيقًا لتفاصيل مهمة من حياة الأسرة الحاكمة والعلاقات والقصور وحركة الناس والمجتمع. إضافة إلى ذلك، تقرّبنا تلك المذكرات من عالم السياسة، وكيف كانت السيدة طرفًا فيها وإن لم تكن راغبة في ذلك. وتمكنت من خلال مذكراتها التأريخ لجوانب مختلفة من تاريخ الأسرة البوسعيدية، وأماطت اللثام عن جوانب دقيقة من أطماع القوى الاستعمارية (الألمان والإنجليز) في تلك الفترة الزمنية، وكشفت عن سعي تلك القوى إلى الحصول على حصتها من ميراث والدها، ومن توفى من أهلها في زنجبار. ومن المهم الإشارة إلى أن السيدة سالمة عادت إلى زنجبار مرتين؛ بهدف الحصول على نصيبها من تركة والدها ونصيبها من تركة كل من مات من أسرتها. كانت العودة الأولى في عام 1885م في عهد أخيها السلطان برغش (1870-1888م). أما العودة الثانية، فكانت في عام 1888م في عهد أخيها السلطان خليفة (1888-1890م).
ولعل من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أهم مصدرين تناولا تاريخ الأسرة البوسعيدية في زنجبار تحديدًا، وهما: جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار لسعيد بن علي المغيري (ت: 1962م)، والبوسعيديون حكام زنجبار لعبد الله بن صالح الفارسي (ت: 1982م). وأغلب المعلومات التاريخية التي جاءت فيهما عن السيد سعيد وأسرته عموماً- مستقاة من كتاب السيدة سالمة: (مذكرات أميرة عربية). ويصرّح الفارسي بذلك فيقول: “وهذا الكتاب -يقصد مذكرات السيدة سالمة- هو الكتاب الذي استخلصت منه الكثير مما ذكرته آنفاً عن أطفال السيد سعيد”.
نستكمل الحديث عن مذكرات السيدة سالمة في الجزء الثاني من المقال.
